صابون غار حلب..شاهد يروي مأساة مدينته
الكاتب:الصباح
التاريخ:12/6/2017
  
  تم تقيم الموضوع من قبل 0 قراء

في معرض استضافته برلين مؤخرا
جيرو شيلس-ترجمة: ليندا أدور
هل هكذا تبدو رائحة حلب؟ أتساءل كيف يمكن لمدينة دمرتها الحرب وعدد لا يحصى من الغارات الجوية لتتحول مبانيها الى مجرد حطام وركام، أن تظل تعبق برائحة زكية؟

في معرض استضافته برلين مؤخرا
جيرو شيلس-ترجمة: ليندا أدور
هل هكذا تبدو رائحة حلب؟ أتساءل كيف يمكن لمدينة دمرتها الحرب وعدد لا يحصى من الغارات الجوية لتتحول مبانيها الى مجرد حطام وركام، أن تظل تعبق برائحة زكية؟ كيف يمكن لهكذا مكان حيث لا يزال أناسه يقاتلون، من أجل البقاء على قيد الحياة وسط هذا الكم من الخراب الذي لحق بمدينتهم، وبرغم ذلك، يمكن أن يحمل لنا نسائم وعطور اللافندر والزيتون؟
تلك بالضبط، هي الرائحة التي ستعبق في أنفك وأنت تدخل الى قاعة بنهادجي وجيلاليBenhadji&Djilali في برلين، رائحة قوية وعطرة بذات الوقت، تفوح من جدار صغير، هو أول ما يقابلك عند دخولك المعرض الذي اقيم مؤخرا ببرلين وحمل عنوان "دراسة الصابون"،جدار بني من قطع صغيرة من الطابوق عليها ظلال بلون بني أغمق مع ثقب يتوسطه وكأن قنبلة يدوية قد اخترقته. الا ان ذلك الجدار لم يكن عاديا، بل كان مصنوعا من مادة الصابون، حيث اتخذ هذا الشكل البنائي من خلال خمسة آلاف قطعة بنية وثقيلة ومربعة الشكل. 
كانت هذه هي بنت أفكار الفنان الفرنسي ايمانويل توسور، والذي أخبرني بأن تلك الرائحة تعود لصابون "غار حلب" الذي يعرفه ويميزه الكبار والصغار في عموم أنحاء فرنسا. يتحدث توسور عن تجربته مع صابون حلب قائلا: "أستخدم صابون غار حلب وبشكل يومي عند الاستحمام"، فهذا الصابون ليس مجرد صابون بالنسبة اليه بل يعني الكثير، فهو أول صابون يصنع ويأتي من سوريا، هو يمثل إرثا ثقافيا لحضارة بأكملها، فضلا عن انه يأتي متناقضا تماما مع ما يجري في المدينة على مدى السنوات الماضية من تدمير لمعالم الحضارة فيها.
عند رؤيتي ذلك، انتابني شعور بالاحباط، لكنه قد يكون رسالة ايجابية، في ذات الوقت، اذ كان من المفروض وقف انتاج هذا النوع من الصابون منذ العام 2012، أي منذ اندلاع المعارك الجارية، لكنه استمر بالرغم من ذلك، ليس في العاصمة السورية، دمشق على وجه التحديد، لكن في قرى ومناطق محيطة بها وفي مدن أخرى كاللاذقية وحمص.
أصبح صابون "غار حلب" رمزا للكرامة، فالنظافة الشخصية، أولا وأخيرا، هي مسألة شخصية، وهي تعتبر عاملا اساسيا تمنح للانسان انسانيته. لكن بالنسبة الى توسور، كان الصابون محورا لاعمال ومشاريع فنية، ليست جدرانا او مواد مصورة، بل استخدمه كبديل للرخام من خلال صنعه لمنحوتات صغيرة من المادة المكونة للصابون يصور فيها مناظر طبيعية تجسد حطام الابنية والاحياء الفقيرة والتي بدت كأنها مدن أشباح، لتخرج على شكل عمل فني مؤثر ومحرك للمشاعر.
لقد كان لذلك الفن المصغر التأثير في تحريك مشاعري بشكل أكبر مما احسست به عند مشاهدتي لنصب "حافلات حلب" أمام بوابة براندنبيرغ، من صنع النحات الالماني- السوري، مناف حلبوني، والتي يظهر فيه ثلاث حافلات تقف بشكل عامودي على هيئة أنياب، وقد ارتفعت لتلامس السماء، لتحاكي الحافلات التي استخدمت في حلب كجدار يقي من نيران رصاص القناصة. يقول حلبوني انه على أحد جوانب الحافلات كانت تدور رحى المعارك، بينما على الجانب الآخر كان يلعب الاطفال في الشارع، مضيفا ان هذا النصب جاء ليؤكد رفض الارهاب ويكون رمزا للحرية.
*موقع دويتشه فيلا الالماني