الرواية الرسمية للقصة على لسان الرئيس بوش
الكاتب:الصباح
التاريخ:9/12/2018
  
  تم تقيم الموضوع من قبل 0 قراء

جواد علي كسار
المشهد الأول
كان الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن قد أمضى ليلة الثلاثاء في منتجع كولوني بتش في ولاية فلوريد، وفي يوم الثلاثاء 11/ أيلول/ 2001م استيقظ قبل الفجر حيث بدأ يومه الجديد في جناحه الخاص بقراءة جزء من الكتاب المقدّس

وقائع ضربة أيلول
جواد علي كسار
المشهد الأول
كان الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن قد أمضى ليلة الثلاثاء في منتجع كولوني بتش في ولاية فلوريد، وفي يوم الثلاثاء 11/ أيلول/ 2001م استيقظ قبل الفجر حيث بدأ يومه الجديد في جناحه الخاص بقراءة جزء من الكتاب المقدّس كما هي عادته يومياً، قبل أن يتجه بعد ذلك لممارسة عادة يومية رتيبة أخرى، هي رياضة الركض، حين راح يهرول حول ملعب الغولف في عتمة الظلام، وسط انتشار مدروس لحرس الرئيس والعملاء السريين، ودهشة السكان المحليين وهم يُبدون استغرابهم من رياضة رئيسهم وهرولته مع خيوط الفجر الأولى، قبل أن ينبلج نور الصباح.
بعد أن أخذ قسطه من تلاوة الكتاب المقدّس والرياضة الصباحية، عاد الرئيس بوش إلى مقرّ إقامته، فتناول بعد الاستحمام وجبة إفطار خفيفة، تخللتها نظرة سريعة إلى الصحف الصباحية التي ركزت على عودة مايكل جوردن للمشاركة في الدوري الأمريكي للمحترفين، بعد قرار الاعتزال.
في حوالي الساعة الثامنة صباحاً تلقى بوش الموجز الرئاسي اليوميّ؛ وهو الموجز الذي يُقدّم للرئيس يومياً ويجمع معلومات استخباراتية سرية جداً، مع تحليل معمّق للجوانب السياسية والاقتصادية والبشرية، وهذا الموجز اليومي كما يقول بوش، هو من أفضل ساعات النهار عنده، حيث قدّمه في ذلك اليوم من صباح الثلاثاء 11/ أيلول/ 2001م محلل ذكي في وكالة المخابرات المركزية، هو مايك مورل، وقد شمل الموجز دولياً آخر الأخبار عن روسيا والصين والانتفاضة الفلسطينية.
كانت الخطوة الأولى لبرنامج الرئيس خارج مقرّ إقامته، هي زيارة لمدرسة ايما أي بوكر الابتدائية، لتسليط الضوء على الإصلاحات في مجال التعليم. كان الرئيس لا يزال في موكبه إلى المدرسة، حين أخبره الموظف الرئاسي كارل روف أن طائرة تحطّمت في مركز التجارة العالمي. يقول بوش في بيان ردّة فعله: «ذُهلت، لابدّ أن الطيار كان الأسوأ في العالم، كيف اصطدم بناطحة سحاب في يومٍ قليل الغيوم؟!».


الخبر الهامس!
أصبح الرئيس داخل المدرسة الابتدائية، وطلب من التلاميذ إحضار كتب الدرس ليشاركهم القراءة، حين أحسّ بوجود شخص وراءه هو آندي كارد الذي وضع رأسه بجوار الرئيس، وهمس في أذنه: «طائرة ثانية ضربت البرج الثاني» حيث شدّد عامداً على كلّ كلمة همسها في أذن الرئيس، وهو يضيف: «إن أمريكا تتعرّض للهجوم!».
يذكر بوش أن ردّ فعله الأول هو الغضب، بيد أنه انتبه غريزياً كما يقول، إلى أن أي ردّ فعل يصدر منه الآن سيُسجّل ويُبثّ في جميع أنحاء العالم. أجل، الشعب الأمريكي وهو يتابع المشهد وانهيار البرجين على الهواء، في حال صدمة بلا ريب، لكن للرئيس واجباته المختلفة، إذ كان عليه أن يدير الأزمة ويعالجها، ولو انسحب من الصف مستعجلاً عندما قرع سمعه الخبر الهامس، لتردّدت موجات الذعر في جميع أنحاء البلاد، وازدادت وتائر الهلع. لذلك كله استمرّ في درس القراءة مع الأطفال، وقد كان من السهل عليه أن يلحظ اضطراب فريق الصحفيين معه، والأخبار تصلهم عبر الهواتف المحمولة وأجهزة البايجر.


لا تقُل شيئاً!
لستُ أريد أن أفسد رواية بوش للواقعة بالهوامش والتعليقات، إنما أردت لهذه الرواية أن تعبّر عن مشاهد الواقعة بنفسها دون تدخل كبير، إلا بالربط والتسلسل والاختزال. لكن أعتقد أن في كلّ لقطة من اللقطات ثمَّ أكثر من عبرة ودرس. لنلحظ مثلاً قيمة الكلمة في الأزمة، وكيف أن بوش لم يطلق للسانه العنان، لكي يتحدّث بما يليق وما لا يليق، ونقارن ذلك بثرثرات المسؤولين في بلادنا إبّان الأزمات.
لقد كان فريق صحفي مهم يرافق الرئيس في المدرسة، لابدّ أنه تكاثر بعد ضرب العمق الأمريكي في نيويورك بالطائرتين، لكن لنلحظ ما فعله آري فليشر وزير الإعلام، حين وقف بين الرئيس وبين الصحفيين، وقد رفع لافتة كتب عليها: «لا تقلّ أيّ شيء الآن!». يذكر بوش أنه لم يكن يريد الكلام، وإنما: عزمت بعد أن ينتهي الدرس، أن اخرج من الصف بهدوء، ثمّ أجمع الحقائق وأتحدّث الى الأمة. يضيف بوش: بعد أن غادرت الصف، عدت إلى غرفة الانتظار، حيث أدخلوا جهاز تلفاز، وشاهدت مرعوباً لقطات بطيئة من اصطدام الطائرة الثانية بالبرج الجنوبي. كان تقديره أن البلاد ستهتز من الصدمة الممزوجة بالخوف والرعب، ولمواجهة ذلك، قال: إنني بحاجة للحديث إلى الشعب الأمريكي مباشرة من خلال التلفاز، لأؤكد له أن الحكومة لن تتركه، وأنها تتفاعل مع القضية، لذلك كتبتُ البيان بسرعة، وقد جاء في هذه الرسالة المباشرة، قوله: هذه لحظة صعبة على أمريكا، لقد تحطمت طائرتان في مركز التجارة العالمي، في ما يبدو أنه هجوم إرهابي على بلادنا. أضاف: لن نسمح بالإرهاب ضدّ أمتنا، ثمّ ختم بالدعوة إلى لحظة صمت حداداً على الضحايا.
بمقدورنا أن نلحظ وجازة الرسالة، وأن الهدف الأساس منها، التواصل مع شعبه، دون شعارات وخطب جوفاء رنانة، ووعود بالثأر والانتقام، وإطلاق التهم شمالاً 
ويميناً.
التصنيف الثلاثي
اتخذ الرئيس قراره بالعودة إلى واشنطن، وفيما كانت سيارة الليموزين الرئاسية تسير به بسرعة خاطفة لإيصاله من المدرسة إلى الطائرة الرئاسية، استطاع الاتصال بمستشارة الأمن القومي كوندليزا رايس من هاتف آمن في السيارة، فأخبرته أن طائرة ثالثة قد تحطّمت مستهدفة وزارة الدفاع في واشنطن هذه المرّة. يقول بوش أثر هذا الخبر: راح دمي يغلي غضباً وحنقاً، وقلت: كان من الممكن أن يكون تحطّم الطائرة الأولى حادثاً، أما الثانية فكانت هجوماً بالتأكيد، والثالثة هي إعلان حرب!
حاصر عملاء مسلحون الطائرة الرئاسية، ووقف شخصان من طاقم الطائرة أعلى الدرج، وقد ظهر على وجهيهما الخوف والحزن، وحيث كان كلّ شيء يصوّر وتراه الملايين من الأمريكيين، فقد قام بوش ببادرة موحية، حين احتضنهما، وهو يقول لهما: ستكون الأمور بخير. يضيف بوش: كانت عواطفي مماثلة لما شعر به معظم الأمريكيين، لكنّ واجباتي كانت مختلفة. وفي درس ينطوي على دلالة بالغة في مثل هذه المواقف، قال نصاً في تحديد أولوياته: كانت الخطوة الأولى للتعاطي مع الأزمة هي نشر أجواء هادئة، وهذا ما حاولت القيام به. ثمّ فرز الحقائق وتمييزها عن الشائعات، وبعد ذلك اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية البلاد، وأخيراً مساعدة المناطق المصابة، ولاحقاً وضع استراتيجية للقبض على الفاعلين والتأسيس لحالة ردع تمنع تكرار ما حصل.
حلقت الطائرة الرئاسية إلى ارتفاع (45) ألف قدم، وهو ما يزيد على معدّل الارتفاع العادي، لجهة الاحتياط الأمني، في خطوة دقيقة وثمينة جداً، يقول بوش: صعدتُ إلى المقصورة الرئاسية، وطلبت الانفراد بنفسي لبرهة، ثمّ صليت من أجل أن يمنح الله الراحة للذين يتألمون، وأن يوجّه سبحانه البلاد خلال هذه المحنة.
اتصل بوش وهو في الجوّ بنائبه ديك تشيني الذي نُقل إلى المركز الرئاسي لعمليات الطوارئ، الواقع تحت الأرض، وقال له: سأتخذ قرارات من الجوّ، وسأعتمد عليك لتنفيذها على الأرض. أول قرارين اتخذهما من الطائرة الرئاسية في الجوّ هما ملء الأجواء الأمريكية بالدوريات الجوية من الطائرات المقاتلة، ثمّ إعطاء الأوامر بإسقاط أي طائرة مدنية أو تجارية لا تتجاوب مع الأوامر، خاصة بعد أن أكدت له المخابرات أن عدد الطائرات المختطفة هو ست طائرات، سقط منها ثلاث بالهجمات الانتحارية، وبقيت ثلاث مجهولة الهوية والمقصد.


طائرة الرئيس إلى أين؟
اتصل نائب الرئيس تشيني بالرئيس وهو بالجوّ، وقد انضمت إلى تشيني في مركز رئاسة الطوارئ تحت الأرض، المستشارة رايس وجوش بولتن وكبار أعضاء الأمن القومي، وكان هدف الاتصال إخبار الرئيس أن طائرة متجهة صوب واشنطن، وهي لا تستجيب، ومن ثمّ طلب تشيني من الرئيس أن يؤكد مرة أخرى قراره بإسقاط الطائرة، ففعل بوش ذلك حماية لأمن البلاد.
السؤال الآن: إلى أين تتجه الطائرة الرئاسية، وأين تحطّ؟ يقول بوش: كنت مقتنعاً بأنه ينبغي أن نعود إلى واشنطن، فالأمة ستطمئن لرؤية الرئيس في العاصمة، وقيادته الأزمة من البيت الأبيض. لكن للأجهزة الأمنية وأهل الاختصاص من حماية الرئيس رأي آخر، فقد ذكروا للرئيس أن التوجه إلى واشنطن العاصمة لا يزال محفوفاً بمخاطر كبيرة، لاسيّما أن هناك ثلاث طائرات في الجوّ تزيد من حجم الخطر الأمني على الرئيس والعاصمة والطائرة الرئاسية. يذكر بوش: قلت للفريق الأمني بحزم؛ أنا الرئيس، سنذهب إلى واشنطن!
لكن أجهزة الأمن ممثلة بآندي كارد والحارس الشخصي للرئيس أدي مارينزل، لم يغيّروا رأيهما وأصرا على موقفهما، ولم يتردّدا أو يتلعثما أمام إصرار الرئيس، ولم يخشيا هيبة الرئاسة، بل عملا بواجبهما، فما كان من بوش إلا التجاوب معهما، فأمرت الأجهزة الأمنية بأن تتجه الطائرة الرئاسية إلى قاعدة باركسدايل الجوية في لويزيانا، وهذا ما كان.
من نافعات الأزمة اكتشاف الرئيس بأن تكنولوجيا الاتصالات تعيسة على متن الطائرة الرئاسية كما وصف ذلك نصاً. إذ عبثاً حاول الطاقم المرافق للرئيس توفير بث لأي قناة تلفازية فضائية على الطائرة. ليس هذا وحده، بل فشلت مساعي الرئيس جميعاً الاتصال بزوجته لورا، وهذا العجز أثار حنق الرئيس، الذي قال نصاً: لم أستطع أن أصدّق أن رئيس الولايات المتحدة، لا يستطيع الاتصال بزوجته في مبنى الكابيتول. لذلك صرخ بالموظف الرئاسي آندي: ماذا يجري بحق الجحيم؟!
أجل، تحقق نوع من الاتصال مع المركز الرئاسي الطارئ، لكن على نحو متقطع، حيث استطاع الرئيس التواصل عبر هذا الخط غير المستقر مع نائبه تشيني ومستشارته للأمن القومي رايس.


الشائعات!
قد يظن البعض خاطئاً أن بلداننا والأنظمة والدول الهشة عموماً، هي وحدها التي تتعرض إلى موج متدفق من الشائعات إبّان الكوارث القومية والأزمات الوطنية العامة. وهذا تصوّر خاطئ تماماً. فقد بلغت الشائعات والمعلومات الخاطئة مداها في ذلك اليوم الأمريكي العاصف، وكان الرئيس وطاقمه المرافق في الطائرة الرئاسية، هو في طليعة ضحايا تلك الشائعات. لندع بوش يحدّثنا عن فيض الشائعات والمعلومات التي انهالت عليه، بقوله: كنا نتلقى المعلومات الواردة محلياً. كانت متناقضة غالباً وأحياناً خاطئة تماماً. كنت أعاني من ضباب الحرب، فقد وردت تقارير عن انفجار قنبلة في وزارة الخارجية، واندلاع حريق في الميدان الوطني بواشنطن، وخطف طائرة ركاب كورية باتجاه الولايات المتحدة؛ والأخطر اتصال وصلنا يهدّد طائرة الرئيس، وقد استعمل المتصل رمز الطائرة «الملاك» الذي لا تعرفه إلا القلة من الناس، فمن أين حصل عليه يا تُرى وكيف؟ والأغرب من ذلك هو التقرير الذي وصل الرئيس المحلق في الجوّ، بأن هناك جسماً غريباً متجهاً صوب مزرعة العائلة في كراوفورد!
يعلق بوش على حرب الشائعات هذه والمعلومات الخاطئة، بقوله نصاً: تبيّن لاحقاً أن كلّ هذه المعلومات كاذبة. يضيف: بيد أن ذلك لم يمنعنا من أخذ كلّ تقرير على محمل الجد.


العودة إلى واشنطن
حطّت الطائرة الرئاسية في قاعدة باركسدايل، وقد نجح الرئيس في الاتصال بزوجته، هذا الاتصال الذي علق عليه بقوله: صوت لورا يهدّئني دائماً، لكنه أراحني بشكل خاص في ذلك اليوم. بعد زوجته اتصل الرئيس على هاتف آمن بوزير دفاعه دونالد رامسفيلد، ووافق على قراره برفع مستوى الاستعداد العسكري إلى «ريفكون» ثلاثة للمرة الأولى منذ عام 1973م.
لم يرق للرئيس أن يبقى في لويزيانا، فقد مرّت ثلاث ساعات منذ أن تحدّث إلى الشعب للمرة الأخيرة، وقد كان قلقاً من أن يترك ابتعاده عن العاصمة والناس، انطباعاً بأن الحكومة لا تتحرّك، خاصة وأن زوجته لورا أعربت عن القلق نفسه. يقول بوش: كان الشعب الأمريكي يحتاج إلى رؤية الرئيس في واشنطن.
أجرى من قاعدة مؤمّنة اجتماعاً أمنياً عن طريق الفيديو، وسأل مدير المخابرات المركزية جورج تينت: من فعل هذا؟ ردّ تينت بكلمتين: تنظيم القاعدة. وكانت هذه هي المرّة الأولى التي اتجهت فيها المسؤولية عن ضرب العمق الأمريكي، إلى القاعدة بزعامة أسامة بن لادن. يشير بوش أن وكالة المخابرات كانت قلقة قبل ذلك من تنظيم القاعدة، ولديها تقديرات أنه عازم على تنفيذ هجوم بطائرات مختطفة، لكن خارج الجغرافية الأمريكية. أكثر من ذلك يعترف بوش أن وكالة المخابرات نبّهت الرئيس في شهر آب الذي سبق ضربة أيلول، أن ابن لادن بصدد تنفيذ ضربة داخل أمريكا، وذلك حينما طلب من الوكالة تقدير قدرات القاعدة على الهجوم، بل زاد بوش أن تحذير الوكالة من ضربة للقاعدة داخل أمريكا، تكرّر مرّات عبر الموجز الرئاسي اليومي الذي يصغي إليه يومياً كجزءٍ من تقاليد الرئاسة والعمل في البيت الأبيض. يذكر بوش أن ذلك أزعجه، وأراد تفسيراً لهذا الخطأ، والباعث وراء إهمال التحذيرات اليومية للوكالة، لكنه في أزمة، فلم يجد من المناسب الحديث عن المذنبين أو إلقاء اللوم على الآخرين. عندما أصرّ بوش على العودة إلى واشنطن حذّره مدير جهاز الأمن السرّي بريان ستافرد أن العاصمة لا تزال غير آمنة، وأضاف مايكل موريل عن وكالة المخابرات المركزية، أن المخابرات الفرنسية زوّدت جهازه بتقارير تفيد بإمكانية انطلاق موجة ثانية من الهجمات، عن طريق خلايا نائمة. وقد جاءت هذه المعلومات خلافاً لتوقعات بوش بأن موسم الهجمات الجوية قد انتهى بعد تأمين الهبوط الآمن لأربعة آلاف رحلة خلال أقلّ من ساعتين.
المهم أن هذه المعلومات لم تثنِ الرئيس عن قرار العودة. بالفعل، حطّت الطائرة الرئاسية بعد الساعة السادسة والنصف عصراً بقاعدة أندروز الجوية في ميريلاند، فانتقل الرئيس بسرعة باتجاه المروحية الخاصة، لتحطّ بعد عشر دقائق في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض، بعد عملية طيران مراوغ دفعاً لأيّ مفاجأة. انتقل إلى المركز الرئاسي لعمليات الطوارئ، الذي بُني أثناء الحرب الباردة، ويحوي على ما يكفي من الغذاء والماء والطاقة الكهربائية التي تؤمّن حياة الرئيس وعائلته والفريق المقرّب منه، لمدة طويلة. أعدّ خطابه إلى الشعب، وتمرّن عليه، ثمّ ألقاه في بث مباشر من المكتب البيضاوي. كان خطاباً قصيراً من بضعة أسطر هدفه الإعلان عن عودته إلى واشنطن، وإظهار وجوده في مركز عمله بالبيت الأبيض، والتواصل مع الشعب في أزمته، وقد ختم بنصٍ من الكتاب المقدّس، جاء فيه: إنني أمشي في وادي ظلال الموت، لا أخاف شراً لأنك أنت (الله) معي.
عاد بعد الخطاب الوجيز إلى مركز الطوارئ تحت الأرض، واجتمع من فوره بفريق الأمن الوطني، بهدف معرفة آخر التطورات، ثمّ التخطيط لبرنامج اليوم التالي.


الهرولة حافياً!
بعد يوم عمل عصيب ابتدأ فجراً اصطدم الرئيس بأزمة جديدة ترتبط بمكان منامه. لقد طلب منه كارل تراسكوت رئيس شعبة الحماية الرئاسية أن ينام في الغرفة الصغيرة المقابلة لقاعة المؤتمرات في المركز الرئاسي الطارئ تحت الأرض. كانت في الغرفة أريكة قديمة مع سرير بداخلها وكأنها تعود إلى عهد الرئيس هاري ترومان، بعد برهة من التردّد والتفكير، قال بوش لكارل: لن أنام هناك أبداً!
بعد أن لاحظ المسؤول الأمني إصرار بوش وعدم تزحزحه عن موقفه، قال له مذعناً: نَمْ في مسكنك، سوف نأتي لإحضارك إذا كانت هناك مشاكل. بعد يوم عصيب لم يستطع بوش النوم بسهولة، فقد كان شريط الحوادث يمرّ عليه، وفيما كان على وشك أن يغفو رأى ظلّ أحدهم عند باب غرفة النوم، وهو يتنفس بصعوبة ويصرخ: سيّدي الرئيس.. سيّدي الرئيس، البيت الأبيض يتعرّض لهجوم، لنرحل!
حثّ بوش زوجته لورا لمغادرة المكان بسرعة، ولما لم تجد الوقت الكافي لوضع العدسات اللاصقة، فقد أمسك زوجها بذراعها واقتادها إلى الخارج، وهي تحمل في الذراع الأخرى كلبها الاسكتلندي بارني، في حين نادى بوش كلبه الإنكليزي سبوت لكي يتبعه، ثمّ خرج حافي القدمين بسروال الركض والقميص. راح أعضاء الأمن السرّي يستحثون الرئيس لمغادرة البيت الأبيض بسرعة، باتجاه الملجأ تحت الأرض. ما إن دخل النفق، حتى أغلق الباب الثقيل من خلفه، وبعد المرور بعدد من الأبواب والممرات أصبح داخل المركز الرئاسي للطوارئ. بضع دقائق ودخل على الرئيس جندي، وهو يقول: سيّدي الرئيس، أنها طائرة مقاتلة تخصنا من طراز أف ـ 16 حلقت فوق نهر البوتوماك، وهي ترسل إشارة خاطئة!
بهذه الواقعة انتهت أبرز حوادث اليوم الأول من قصة ضرب العمق الأمريكي، لكن لا تزال للقصة بقية، ينبغي متابعة أهمّ فصولها في وقائع الأيام اللاحقة، لاسيّما اليوم الثاني ما بعد الواقعة.


ملاحظة الختام
لا أمتلك معطيات إحصائية دقيقة عن حجم التغطيات التي حظيت بها واقعة ضرب العمق الأمريكي منذ 11 أيلول 2001م حتى اللحظة. بيدَ أن الشيء المؤكد أن المقالات من حولها تخطّت الألوف، في حين زادت البحوث والكتب والدراسات على المئات داخل أمريكا وخارجها. أضف إلى ذلك مجموعة كبيرة من الأفلام الوثائقية والتسجيلية والروائية. الشيء المؤكد في هذا الخضم من التغطيات الإعلامية والتحليلية، هو التفاوت الكبير في وجهات النظر من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين. هناك من رأى في الواقعة أنها فاجأت الإدارة الأمريكية وأجهزتها الأمنية والسياسية، على حين ذهبت تفسيرات غير قليلة على أنها من تدبير الدوائر العميقة في أمريكا؛ تحديداً مصالح الصناعات العسكرية، وحركة المصارف والمال ومراكز التفكير الاستراتيجي، تعضدها المؤسّسات السياسية والأجهزة الأمنية، لخلق أجواء مؤاتية للسياسة الأمريكية في العالم، بخاصة منطقتنا.
وبين هذين الاتجاهين العريضين، هناك من يعزو الواقعة إلى تقصير الأجهزة الأمنية لاسيّما وكالة المخابرات الأمريكية. وأياً ما كانت الحقيقة، فلا ريب أن توصيف الواقعة له صلة مسيسة في الفهم وتالياً في نظرية التفسير. انطلاقاً من هذه الزاوية، قدّمنا هذه الفصول للواقعة من خلال ما يمكن أن نسميها بالرواية الأولى، أقصد رواية الرئيس الأمريكي يومذاك جورج بوش الثاني، وقد استندتُ في ذلك إلى مذكراته التي حملت عنوان: «قرارات مصيرية». أعتقد جازماً، أن في كلّ فصل من فصول هذه الرواية درسا أو أكثر يمكن أن نستفيد منه، على الصعيد السياسي، وخاصة لجهة ما يواجهه بلدنا من أوقات صعبة 
وأزمات.