‏(ذاكرة أرانجا) رواية تاريخ ضاج بالتساؤلات
الكاتب: {0} admin
5/16/2013
  تم قراءة الموضوع 122 مرة
  تم تقيم الموضوع من قبل 0 قراء

د. عبد الكريم عباس الزبيدي
رواية " ذاكرة أرانجا " الصادرة ‏عن دار فضاءات في عمان العام ‏‏2012 للقاص" محمد علوان ‏جبر" يمكن أن نعدها رواية ‏‏"الشخصية" بالرغم من أنها ‏تشكل امتدادا تاريخيا لبعض ‏شخصياته في أعمال قصصية ‏سابقة له كما في مجموعة (شرق ‏بعيد)،

د. عبد الكريم عباس الزبيدي
رواية " ذاكرة أرانجا " الصادرة ‏عن دار فضاءات في عمان  العام   ‏‏2012 للقاص" محمد علوان ‏جبر" يمكن أن نعدها رواية ‏‏"الشخصية" بالرغم من أنها ‏تشكل امتدادا تاريخيا لبعض ‏شخصياته في أعمال قصصية ‏سابقة له كما في مجموعة (شرق ‏بعيد)، وهي شخصية" هوبي عبد ‏الرزاق" التي شكلت جزءا مهما ‏من بؤرة الحدث الدرامي ‏المتصاعد في " ذاكرة أرانجا" ‏منذ اكتسابها شرعية الوجود ‏المغاير لوجودها ومصيرها من ‏خلال منحه هوية الأحوال المدنية ‏وانخراطه في الجيش، حتى لحظة ‏انسلاخها من واقعها التسلطي ‏كقوة قامعة وتحولها إلى شخصية ‏واعية لمدركات تغيير الواقع عبر ‏انخراطها في صفوف حركة ثورة ‏تطرح فعلا ثوريا  لتغيير واقع ‏فاسد، مريض، قامع لحركة الواقع ‏ومعادٍ لمصلحة الشعب، لذا يمكن ‏أن نطلق عليها بـ" الشخصية ‏المركزية" في حين ظلت ‏الشخصيات الأخرى، شخصيات ‏ثانوية لها قوة ومتانة شخصية" ‏هوبي" التي ظلت بالرغم من ‏غيابها عن الحدث الرئيسي" ‏المركزي" في أحيان كثيرة إلا ‏أنها تحولت إلى مركز الضوء ‏ودائرة الحدث، وهذا ماجعل ‏الروائي السارد يعود إليها حين ‏يشعر أنه ابتعد عنها من خلال ‏تماهي سرده مع الشخصيات ‏الأخرى على مدى زمن الرواية ‏المتداخل في أماكن عديدة منها" ‏أرانجا" التي هي كركوك ومدينة ‏الثورة، في بدايات تأسيسها، ‏مجسدة في انثيال ذاكرة تومض ‏بالأحداث والأماكن بشكل خاطف ‏بعيدا عن" التوصيف المكاني" ‏الممل والمسهب، فهي" أي ‏الأماكن" وعاء يضع فيه الروائي ‏حدثه  من دون زيادات تؤرشف ‏الأحداث، حتى أن تناوله لبعض ‏الأحداث المهمة، كانقلاب شباط ‏الأسود، جاء بشكل عابر بعيدا عن ‏الشعارية السياسية التي تحط من ‏شأن الرواية باعتبارها مرموزا ‏تاريخيا للحدث، وهذه فضيلة ‏تحسب للروائي ( محمد علوان ‏جبر) بعدم انجراره إلى جعل ‏روايته مركزا شعاريا سياسيا إذ ‏أن الروائي يجب أن ينأى بنفسه ‏عن الانحياز، ويترك الحكم ‏للمتلقي في القبول لما يدعو إليه .‏
إن تناول الشخصية باهتمام نقدي ‏لكونها أخطر مكونات التأليف ‏الروائي، كما يذهب إلى ذلك" ‏فورستر" صاحب التقسيم ‏الشهير: الشخصية المسطحة ‏والشخصية المستديرة، في حين ‏جاء" ادوين موير" بتقسيم أكثر ‏شهرة هو " رواية الحدث" و" ‏رواية الشخصية " التي يرى هو ‏أن من أهدافها وصف المجتمع، ‏وقد لايتفق الكثيرون معه في ذلك ‏باعتبار أن خلق الشخصية ‏الروائية هو في ذاته هدف وليس ‏غاية، فالشخصيات لدى الروائي ‏الناجح، ليست سوى أنماط تمثل ‏مجتمعا كمجتمعات الكائنات الحية ‏الأخرى، ولدينا روائيون ما إن ‏يكتبوا حتى نراهم يحاولون جهد ‏طاقتهم أن يخلقوا الشخصيات ‏بحماس يجعلهم لايختلفون عن ‏غيرهم من الروائيين العالميين، ‏أللهم إلّا في المقدرة الإبداعية في ‏التصور ورسم الملامح وتوظيف ‏الحدث في بنية النص الروائي، ‏وهذا مانتلمسه بوضوح في ‏التقنية الروائية في متابعة تطور ‏الشخصية المركزية في (ذاكرة ‏أرانجا).‏
ولم يكن الشكل الروائي بعيدا في ‏إبداع ( محمد علوان جبر) إذ أن ‏هناك مايميزه في زوايا ثلاث..  ‏أولها:  زاوية الرؤية، والزمن, ‏والاسلوب،  فأما زاوية الرؤية،  ‏فمع أن الرواية تحكى بضمير ‏الغائب، إلا أن الرؤيا تدور عبر ‏البطل الرئيسي"هوبي"، فهي ‏حاضره وماضيه، وأحلامه، ‏وأحزانه، وأفراحه، وإخفاقاته، ‏ونجاحاته، وسجنه بتهمة الانتماء ‏إلى الشيوعيين، وتشرده، ‏وانكساراته .  ‏
أما الترتيب الزمني في الرواية ‏فهو واضح وجلي، فهو الترتيب ‏الذي يفرضه هذا الشكل الفني، ‏فالحوادث التي تقع على مسرح ‏الرواية، التي يسردها الروائي، ‏تسير بترتيب زمني وحكائي، ‏متصل، تتخلله الأحلام ‏والمونولوج الداخلي، أي دنيا ‏هوبي الميتافيزيقية من خلال ‏استذكار احداث ظلت طي الذاكرة، ‏راحت تنبعث من جديد في انساق ‏متصاعدة .‏
أما الأسلوب، فالرواية يمكن أن ‏نمثلها بملحمة شعرية تتكون من ‏حيوات شخصيات ثانوية تصب ‏مجريات أحداثها وتمظهراتها ‏وحيواتها في نهر الشخصية ‏المركزية ( هوبي) في محاولة ‏لاستعادتها وخلقها وبثها من جديد ‏، لتكون علامة إدانة لزمن مضى ‏مثقلا بالمرارات والعذابات ‏والإخفاقات في تاريخ العراق ‏الحديث، وماجرى فيه من أحداث ‏جسام توشحت بالمقاصل وآلات ‏التعذيب والانتهاكات لحقوق ‏الانسان في الرأي والمبدأ، وهو ‏مالم تطرحه الرواية بشكل مباشر، ‏اذ كان الإيماء هو النغم السائد في ‏الرواية، حتى لايثقل الروائي على ‏المتلقي في متابعة حدثه الروائي ‏وانسيابيته دون الإخلال بالشروط ‏الجمالية للرواية .‏
استخدم الروائي تقنية( الراوي ‏العليم) الذي كان يلم بمهارة فائقة ‏اشتات زمن هرم، مضى ولم تبق ‏منه غير ذاكرة، لايعرف مجريات ‏أحداثها إلا من عاشها واكتوى ‏بنارها، بالرغم من أنها لم تكن ‏غير عقود عديدة عاش الروائي ‏بعض أحداثها  في طفولته، وظلت ‏عالقة كما يبدو في دهاليز ذاكرته ‏المعبأة بالرؤى والحدس، فهو ‏البطل السارد (ابراهيم) لكثير من ‏المشاهد، بسرد مختزل ومحكم، ‏امتاز به ( محمد علوان جبر) ‏روائيا وقاصا، فهو يختزل ‏الحدث، ولاينساق وراءه، بل يظل ‏مراقبا وحياديا في روايته،ويضع ‏في حساباته ثقافة المتلقي ‏ومدركاته الحسية في التلقي ‏والحكم على صلاحية وديمومة ‏نصه الروائي ومدى نجاحه أو ‏إخفاقه، وعدم فرض قناعات ‏مسبقة عليه .‏