بنايات تفكر وتتنفس في مدن المستقبل
الكاتب: {0} admin
6/29/2013
  تم قراءة الموضوع 246 مرة
  تم تقيم الموضوع من قبل 0 قراء

ترجمة وتحرير ـ عادل حمود
قد تفسح مدننا الحالية الزاخرة بالحجارة الجرداء والحديد البارد المجال الى ظهور بيئات سكنية جديدة تنتشر فيها الغابات الطافية في الاجواء التي تفصل البنايات الكبيرة عن بعضها البعض بعد ان تكون تلك البنايات قادرة على التفكير والتنفس حالها حال البشر بالاضافة الى تمكنها من تبريد نفسها بنفسها.

ترجمة وتحرير ـ عادل حمود
قد تفسح مدننا الحالية الزاخرة بالحجارة الجرداء والحديد البارد المجال الى ظهور بيئات سكنية جديدة تنتشر فيها الغابات الطافية في الاجواء التي تفصل البنايات الكبيرة عن بعضها البعض بعد ان تكون تلك البنايات قادرة على التفكير والتنفس حالها حال البشر بالاضافة الى تمكنها من تبريد نفسها بنفسها.ان البشرية تعيد اليوم التفكير في الكيفية التي تبنى بها البنايات التي تتواجد في المدن وهذا الامر من جانبه سيغير، بكل تأكيد، الطريقة التي ستبدو بها مدننا والطريقة التي تشعر بها هذه المدن بذاتها كأنما هي مدن حية.
فمن خلال استخدام وتوظيف الاكتشافات التكنولوجية الكبيرة وبالاخص في مجال الحوسبة المعقدة واساليب التصميم العالية الحساسية، يقترب مصممو المدن اكثر فاكثر من بناء مدن تنعم ببنايات خفيفة الوزن يمكنها ان تتحرك من مكان الى آخر وربما تفكر وتحس ايضا. فعوضا عن واجهات البنايات القاسية والمصقولة التي تواجهنا في كل يوم ، تقترح التصاميم التي نشرتها الكثير من مراكز البحوث العالمية، رؤية يتم عبرها بناء مدن مستقبلية تشبه في تصميمها الغابات الاصطناعية العائمة.
وبدلا من  قصور مدنية مصنوعة من الحجر الصقيل، فان مناطق التجمع المدني الجديد ستكون مرتبة الطبقات بطريقة سلسة بحيث ان النسيج البنائي المستخدم في تشييدها يكون مرتبا في أطر او واجهات خارجية متعددة الطبقات. وبدلا عن السماء الفارغة والصافية والفضاء المفتوح ستكون الاجواء مليئة بالتصاميم التكنولوجية القائمة على الشبكات الشريطية التي تقوم بتنقية الهواء وتجديد البيئة عبر فلاتر تقوم بمعالجة الهواء الملوث بالغبار والادخنة قبل اعادة اطلاقه الى الجو.

تصاميم ممكنة
ان هكذا بناء ذو تقنيات عالية اصبح ممكنا من خلال الابحاث الاخيرة في المجال العلمي الفيزيائي المعروف بعلم الثيرموديانيمك، حيث تقدم لنا هذه الابحاث فرص جديدة كليا من اجل القيام بتصاميم معمارية تعمل جنبا الى جنب وبتناغم كبير مع الهواء والغاز والسوائل باعتبارها مواد اولية لبناء البنايات التي يسكنها البشر. فقد وثق مايكلي ادينغتون الباحث في جامعة يال بصورة كبيرة، انظمة التحكم الخاصة بالاعمدة الديناميكية التي تعمل على تدفئة وتبريد الهواء التي تشكل جزءا من سطوح المباني وواجهاتها، مبينا ان انماط مشابهة من الحمل الحراري المحيط بالبنايات تتواجد حول الاجسام البشرية. ان الرؤية التي يقدمها ادينغتون هي ان التيارات الهوائية المحسوسة والتراكيز الغازية المتكونة من ثاني اوكسيد الكاربون والاوكسجين حول البنايات التي نعيش ونعمل فيها يمكن ان تكون مواد اولية عملية للبناء فيما يتعلق بفن العمارة المستقبلي.
وبطريقة مشابهة قدمت مصممة الازياء ايريس فان هيربين قماشا جديدا يطفو بالقرب من سطح الجسم ويتمدد باتجاه الفضاء المحيط بالشخص باعثا التواءات واعمدة منه تمكنه من التفاعل مع طبقات الهواء التي تحيط بنا. ومن اجل رؤية هذه الامتدات والتوسعات التي قد تبدو للعين المجردة وكأنها اشياء لا تحدث، ستكون الكاميرات الحرارية المشابهة لتلك التي يستخدمها المخرجون من امثال المخرج الكندي فيليبي بايلاوكيج، متوفرة وقريبة من متناول مصممي البنايات والمهندسين المعماريين. ان التصوير السينمائي لهذا المخرج غالبا ما يظهر ان تركز الطاقة وتبعثرها حول اجسامنا يمكن ان تكون جزءا محسوسا من الفضاء السكني العام في المستقبل القريب.
وفي ايدي الباحثين الجدد ستتطور هكذا انواع من تبادل حذق للطاقة اكثر فاكثر لتصبح جزءا من المنظومات الدائمية للعيش الاصطناعي الجديد. ويعكف باحثون بريطانيون ودنيماركيون من امثال راشيل ارميستونغ ومارتين هانكزيك، عبر العمل الدؤوب المتركز حول استكشاف تفاعلات كيميائية جديدة في البيئات الغازية والسائلة، على تصنيع خلايا يطلق عليها تسمية خلايا البروتوسيل التي هي عبارة عن خليط من المواد الكيميائية التي تتصرف بطريقة مشابهة للخلايا الاعتيادية في البيئات الطبيعية. فهذه الخلايا تتذبذب وتتحرك وتنتج جلود متكونة من مواد حساسة يمكنا ان تستخدم مستقبلا في تغطية البنايات التي تقوم بذاتها بتصنيع غطائها وواجهاتها واعادة تجديدها من دون الحاجة الى تدخل مباشر من الانسان في عملية اعادة الاعمار والتجديد التي هي عملية مكلفة ومجهدة.
ان نوعيات الخلايا والانسجة التي برزت من هذه التجارب يمكن ان تكون رائدة في ايجاد التصاميم العملية للبنى المعمارية الجديدة. ويمكن لطيف واسع من الشاشات والمظلات التي بنيت من طبقات ترشيح متوازنة بدقة، ان تعمل مع الحمل الحراري للهواء ومع تيارات التدفئة والتبريد الهوائية التي تحيط بالبنى المعمارية السكنية الحديثة في تشكيل البيئة المدنية. ومن ضمن هكذا نسيج بنائي، فإن الاعمدة الحرارية التي يطرحها كل ساكن بشري في البناية المعنية، ستوفر شكلا جديدا من الطاقة التي ستخضع لعملية السيطرة عليها واستخدامها في تشغيل البناية باكملها.

مدينة محايدة
وبعض هذه التقنيات مستخدمة فعليا في الوقت الحالي في المدن العصرية التي يتم بناؤها في مناطق مختلفة من العالم حيث يعمل الكثير من المصممين المعروفين من خلال توظيف هذه التقنيات. واحد هؤلاء المصممين هو اليكسندر رييك الذي يعمل حاليا في وضع التصاميم الخاصة بمدينة مصدر ايكو التي هي عبارة عن واحة تحيطها الصحراء في مدينة ابو ظبي حيث المماشي المحاطة بالحدائق وسقوف البنايات الموجودة في الواحة قد صممت باستخدام التقنيات التي ذكرت سابقا من اجل بناء اول مدينة محايدة في العالم من حيث اطلاقات غازات الكاربون. ففي هذه المدينة هنالك تجمع مركزي واسع من المظلات التي تفتح وتغلق بنفس الطريقة التي تفتح وتغلق بها وردة عباد الشمس اوراقها لاستقبال اشعة الشمس. وخصصت هذه المظلات لاحتجاز اشعة الشمس في النهار قبل ان تغلق في الليل مطلقة الحرارة التي جرى تخزينها وذلك عبر حلقة مستمرة طوال اليوم. وعبر تتبع مسار الشمس تقوم هذه المظلات الضخمة بتوفير الظل باستمرار الى البنايات الكبرى في هذه المدينة التي تقع اسفل المظلات.
ويعمل المصمم الاميركي ميتشيل جواكيم من شركة تيريفورم، باتجاه مواز لما سبق عرضه من خلال استخدام تقنيات تتعلق بهندسة الانسجة الحية وامكانية دمجها في البنايات القابلة للحياة وتوظيفها في تغيير نمط العيش. وتخطط هذه شركة تيريفورم التي يعمل جواكيم لديها، للقيام بعمليات بناء واسعة تغطي ساحة نيفي يارد في مدينة بروكلين، تعتمد فيها على نسيج قابل للنمو جرت حياكته بشكل مكثف ودمجه في الممرات الموجودة في الساحة وفي البنايات حيث ان هذا النسيج هو عبارة مواد اولية هجينة مركبة تتضمن انسجة حيوانية معالجة وانسجة مستخرجة من الاشجار الحية وشاشات خفيفة الوزن.
وفي ذات الوقت يقوم باحثون بريطانيون ببناء تصاميم في احد المناطق الكندية تعتمد على دمج اعداد كبيرة من المرشحات التي يتم التحكم بها عبر معالجات حاسوبية ميكروية وتتضمن خلايا بروتوسيل، ضمن سطوح معلقة على الجدران الخاصة بالبنايات وواجهاتها وسطوحها والمظلات التي تغطي تلك البنايات. واحتوت التصاميم على منظومات تدوير تعمل عمل الاجزاء الدموية واللمفاوية في جدران البنايات التي يمكنها في يوم من الايام ان تتنفس. ففي نموذج جرى عرضه مؤخرا في معرض لندن بيلدينغ سنتر غاليري، تم حشو مظلة عائمة مصنوعة من الالمنيوم المقطع بالليزر بكتل مكثفة من مرشحات مصنوعة من الزجاج والبوليمير المتداخل مع بعضها البعض. وفي كل خلية من صف الفلاتر المعلق، تقوم صمامات بسحب الهواء الرطب وتمريره عبر غرف كيميائية حيث تتكون اشكال شبيهة بغبار الطباشير.

السؤال المطروح
ان السؤال الذي يطرح في هكذا عمل هو: حين نفكر في تصميم اشكال معقدة من المدن، كيف يمكن لاشكال معينة ان تحدث فرقا؟ اذا ما استمر المهندسون المعماريون في اتباع التقاليد التاريخية التي قادت فن التصميم المعماري في اميركا الشمالية واوروبا، فاننا سنستمر في رؤية سطوح وواجهات نظيفة ومصقولة واشكال كريستالية وسنرى خطوط هي عبارة عن مكعبات محضة ومثلثات محاطة بشكل دائري عرضي او قبة باعتبار هكذا تصاميم وخطوط قطع فنية فريدة. ان هكذا تصاميم تقليدية تثير لغة شبيهة بلغة الفلاسفة القدماء مثل افلاطون الذين قالوا بان الكون يأتي من اللب الجوهري للاشكال الهندسية.
ان هنالك بالتأكيد سبب جيد ومقنع في عدم اتباع هذه الرؤية والمضي في ما يعاكس هذه الاشكال من التصاميم المجردة. ان الاشكال الشائعة في الغابات المانحة للحياة والادغال النباضة بكل ما هو حيوي، هي النقيض التام للمكعبات والدوائر المجردة. ان الاشكال المكثفة الطبقات للغابات عادة ما تصنع من مواد منسوجة بعمق تقوم بالتوسع والتفاعل مع محيطها البيئي. ان مدينة جديدة قادرة على التعامل مع الظروف غير المستقرة حيث يمكنها ان تظلل نفسها للتخلص من الحرارة وتبريد نفسها ومن ثم تقوم بسرعة بتسخين نفسها عند الحاجة، ستبدو شبيهة بالغابة. وكل بناية في هذه المدينة الغابة يمكن ان تكون مصنوعة من طبقات مكثفة من المرشحات وطبقات متعددة متداخلة من الجدران القابلة على الانفتاح والطي.
ان البنايات الاختبارية التي جرى عرضها وتجربتها غالبا ما تميل الى ان تتميز بكونها حساسة. فهي تتجه بصورة متزايدة من الاشكال القديمة للعالم الاستاتيكي الجامد الى النوعيات الديناميكية والحساسة.   
عن موقع بي بي سي فيوتشر