عبد الهادي سعدون: متعتي وهمي أن يذكرني القارئ ولو بكتاب واحد بعد عشرات السنين
الكاتب:الصباح
التاريخ:7/10/2013
  
  تم تقيم الموضوع من قبل 0 قراء

منحني الشعر الاطمئنان والتقرب لنفسي ومحاولة فهمها عبر الكلمة
بغداد - الصباح
منذ أن اصدر عبد الهادي سعدون مجلة ألواح في إسبانيا مع القاص والروائي محسن الرملي، حتى تحول نموذجاً لناشر عراقي يعمل بتمويل ذاتي من دون أي دعم، فأصدرا ضمن دار ألواح مجموعة مهمة من الكتب لكتاب عراقيين شباب،

منحني الشعر الاطمئنان والتقرب لنفسي ومحاولة فهمها عبر الكلمة
بغداد - الصباح
منذ أن اصدر عبد الهادي سعدون مجلة ألواح في إسبانيا مع القاص والروائي محسن الرملي، حتى تحول نموذجاً لناشر عراقي يعمل بتمويل ذاتي من دون أي دعم، فأصدرا ضمن دار ألواح مجموعة مهمة من الكتب لكتاب عراقيين شباب، وبشر ببعض الكتاب الجدد في ذلك الوقت.
كما اصدر أكثر من مجموعة شعرية، مثل (تأطير الضحك)، (ليس سوى ريح)، (عصفور الفم)، وعدداً من المجموعات القصصية التي نذكر من أهمها: (اليوم يرتدي بدلة ملطخة بالأحمر)، (انتحالات عائلة)، وصدرت له مؤخراً روايته الأولى (مذكرات كلب عراقي). وكما عرف كمترجم بارع في اللغة الإسبانية، حتى حصوله على جائزة الإبداع الأدبي الشعرية، جائزة أنطونيو ماتشادو العالمية في إسبانيا، ليتوج بهذا رحلته الإبداعية المثيرة للجدل والنقاش. فضلاً عن كتابته واخراجه فيلماً سينمائياً قصيراً بعنوان (مقبرة) في العام 2006.
عن الشعر والسرد والترجمة واللغة الإسبانية، كان لملحق "أدب وثقافة" هذا الحوار:
* هل أبدأ حواري عن الشعر أو القصة أو الرواية؟ هذه الكائنات الثلاثة دخلت حياتك وأثمرت ووهبتَ من خلالها كل ما لديك. أين تضع كلاً واحدة منها في خريطتك الإبداعية؟

- بدأت كتابة القصة والشعر في آن واحد، لا أتذكر أيهما سبق الآخر وأيهما بدأته قبل الآخر، ولكني على يقين تماماً أنني مارستهما في زمن واحد وما زلت بين حين وآخر أعود لهما بذات الرغبة والجدية في الكتابة. ولكن لا يمكنني نسيان الرواية وعوالمها التي أخذت مني الوقت والجهد الكثير على الرغم من أنني لم أنشر فيها سوى رواية واحدة هي (مذكرات كلب عراقي)، وروايتين للأطفال نشرتا في فترات أسبق. الرواية عالم شاسع أحترم الخوض فيه ما لم أجدني على استعداد لإنهاء المغامرة بالكامل، ومن هنا منشوراتي قليلة فيها. دائماً ما أقول انني لم أزل أشعر برغبة الكتابة، وهذا بحد ذاته يكفي، ثم يأتي فيما بعد الجنس الأدبي الذي أكتب به. كل من يكتب يعرف أن لكل كتاب ونص ميزة داخلية خاصة تجعلنا نكتبه بهذا الشكل دون غيره. وهذا ليس تبريراً بقدرما هو إجابة سؤالك، لأنني أشعر بكل هذه الأجناس الأدبية التي كتبت فيها، ولولا ذلك لما جربتها. بقي أن أذكر أنني شغوف جداً بالقصة القصيرة وأجدني أقرب لها في الكتابة وهي التي تحويني كلياً وتنشط مسارات الحكي في داخلي، وهذا ليس انتقاصاً أو عدم اهتمام بالرواية أو الشعر، بل ميزة قد تكون متفوقة فيها على الأخريات. الشعر في حالتي منحني الاطمئنان والتقرب الذاتي من النفس ومحاولة فهمها عبر الكلمة اللغز، أما الرواية فتمنحني الآفاق الواسعة عندما تضيق علي سبل النصوص القصيرة. أتمنى حقيقة أن أصنف يوماً ما ككاتب لا غير.

* كيف نقرأ التطور الذي طرأ على نصك الإبداعي منذ مجموعتك القصصية الأولى (اليوم يرتدي بدلة ملطخة بالأحمر)، ومجموعاتك الشعرية ورواياتك، حتى أعمالك الجديدة أو التي تنوي كتاباتها؟

- الكاتب في حد ذاته يمكن تصنيفه ضمن حدود الممكن، كلنا نبدأ بحلم ومشروع لا نفقه منه إلا الحروف الأولى، وبالتالي يكتمل في ظرف السنين التالية أو قد يفشل، وكل مشروع يفهم على هذا الأساس وليس هناك ألغاز أو أحاجٍ لتصنيفه. ومثل الجميع أعد نصوصي الأولى المنشورة في كتب أو المخطوطة هي أساسي الأول وعليه لا أتبرأ حتى من أسوأ نصوصي، وهي كثيرة بالطبع. وبمناسبة كتابي القصصي الأول (اليوم يرتدي بدلة ملطخة بالأحمر) وقد كتبته بدايات التسعينيات ونشرته في 1996، أجد أن أغلب نصوصه ذات صبغة اجتماعية مباشرة وقد كتبته في فترة كنت أحتاج فيها للبوح بدواخلي، بكل ذلك الخوف لخروجي من المحرقة بجناح واحد لا غير، وكنت أحتاج للطيران والتمتع بحرية افتقدتها لسنين طوال، لذا جاءت بكل عفوية مكتظة بتلك الحكايات التي أردت تدوينها والبوح بها دون الانتباه للغة ولا لمناخ أدبي خاص بها. بعد تلك التجربة يمكنني القول إنها دفعتني لتكوين صوتي الأدبي وإيجاد مبرر لوجودي ضمن الأسماء الأدبية، على الأقل في العراق، ومنها جاء الصمت والتأني والكتابة المتمهلة والبحث الدائم عن لغة خاصة بي، ولكن هذا لم يأت بسهولة ولا بقفزة زمنية، بل بمران متطاول يمتد حتى اليوم. ربما يمكنني القول هنا إن الكتابة المستمرة وعدم النشر لأوقات طويلة ومنها أيضاً كتابة النص لأكثر من مرة وتمزيق ومحو نصوص وكتب باكملها لعدم الاقتناع بها، هو ما يساعد الواحد منا على إيجاد دربه الكتابي، وهو ما فعلته طوال حياتي. أستطيع أن أشير لو سألني أحدهم مثلما تسألني هنا بأنني أعتز بكتابي (انتحالات عائلة) الذي كتب عنه الكثير بشكل أبهجني، وهو كتاب من الصعب تصنيف مناخاته الحكائية واللغوية، وهو الكتاب الأقرب لي، كما هناك كتابي الشعري (دائماً) الذي حاولت فيه أن أوجز مناخاتي الشعرية ضمن نص هجين في المكان وفي اللغة وفي الكتابة الشعرية نفسها.

* في روايتك الأخيرة (مذكرات كلب عراقي) اشتغلت على القناع والتورية في سبيل الخروج بصورة واضحة للمشهد العراقي، هل كان ذلك يشبه منحى ابن المقفع في (كليلة ودمنة) أو كان لديك منهج خاص في طرح رؤاك؟

- كل نسيج رواية (مذكرات كلب عراقي) هو قناع لبسته لتمرير حكاية تضج في داخلي عن العراق، بلدي، كانت تنهشني نهشاً على مدى أعوام ولم أعرف كيف أكتبها. لم أكن بالمرة مضطلعاً بشؤون الكلاب ولا عوالمها، بل صعب علي قول كل ذلك الذي أردت قوله عبر شخصيات آدمية، فجربت أن أدونها على ألسنة الحيوان، وهو هنا كلب عراقي باسم أجنبي (ليدر) لدلالة معينة أشرحها في الرواية نفسها. بالطبع لا يمكنني إنكار استفادتي من كل النماذج الأدبية السابقة التي استلهمت الحيوانات في متن الحكاية، ومنها (كليلة ودمنة)، وإن خالفتها بالخروج من تعليميتها المفرطة وهي نتاج قرون سابقة. هناك نموذج  تأثرت به هو نموذج الكتابة الصعلوكية (البيكاريسكية) بكل أصنافها المشرقية والعربية (نموذج المقامات العربية والرواية الصعلوكية الإسبانية مثلاً) واستخدمت طرقها السردية في روايتي الكلبية هذه، النموذج الذي حضرني وقت كتابتها. إضافة لنماذج عديدة اخرى قرأتها، ووجدته قريباً مني هو نموذج ثربانتس، العبقري الإسباني، في كل نماذجه الحكائية، على الأخص في قصصه المثالية. لكنني يجب أن أعترف أن الرواية وإن جاءت على لسان كلب، إنما هي في الواقع تصلح لتكون على لسان البشر، وهي أيضاً جاءت مقنعة بها للحيلولة من الوقوع بشرك العبرة الإنسانية. عندما تفكر وتكتب على لسان كلب، جعلني أكثر حرية بالبوح بكل هذا الثقل المضني الذي ينتابنا عندما نتناول موضوعة العراق ولا نجد لها مخرجاً في الكتابة. لا أعرف هل أنا الذي نجحت ككاتب بتدوين مذكرات الكلب المدعو ليدر، أم ان ليدر قد منحني فرصة إتمام رواية عن العراق المعاصر أرقتني وأتعبتني على مدى سنوات.

*  قلت (أنا مع الكتابة الناضجة المتمهلة والتي تشق لنفسها طريقاً صائباً)، ونحن نعيش ضوضاء من الكتب والمقالات والنصوص التي لا تعد، ما المعايير التي تحدد من خلالها إذا كنت سائراً في الطريق الصحيح للنص أم لا؟

- ليس هناك معرفة مسبقة بأن ما تكتبه هو الأدب الحقيقي، لا يبقى أمام الواحد منا غير أن يثق بنصه ومن ثم بالآراء النقدية الحقيقية. ثم أنني أصارحك هنا أن همي الوحيد في كل ما كتبته هو أن يدرك القارئ بأنه أمام نص لا يمر بسهولة ويحتاج للقراءة أكثر من مرة. من هنا تكلمت وما أزال عن (الكتابة الناضجة المتمهلة)، إذ لا أسعى لمجد في الكتابة ولا أن تباع كتبي بالآلاف، كل متعتي و همي أن يذكرني القارئ ولو بكتاب واحد بعد عشرات السنين. أعرف أن كل ما يتمناه الكاتب هو أن يبقى أسمه طرياً في سجل الأدب، وهي صفة الكتابة الجيدة، وأعرف أن كل شيء معلق بخيط رفيع، كما أن الأدب ومقاييسه في اختلاف وتنافر ما بين جيل وآخر، ولكنني أعرف بيقين تام أن ما أسعى له هو أن يتاح لي وقت طويل للكتابة ووقت أطول للقراءة، تلك القراءة الواعية التي تساعدني على أن أكتب بنضج وتعلق حقيقي بالكتابة وعوالمها.

* "جاءت اللغة الإسبانية مصادفة"، إلى أي مدى تمكنت من التعلق بهذه المصادفة، والدخول بحياة جديدة من خلال لغة جديدة، والاستفادة من هذه اللغة؟

- لا مصادفات حقيقية في الحياة، فالكل له أسبابه. الصحيح أنني درست الإسبانية لغة وأدباً نتيجة لمنظومة التنسيب الجامعي في وزارة التعليم العراقية، ولكن مع ذلك كنت قبلها على دراية تامة بالآداب الإسبانية والأميركية اللاتينية المترجمة للعربية، وقد سعدت لهذا التنسيب العشوائي لدراستي الجامعية فقد كنت أحلم يوماً أن اقرأ لوركا بلغته الأصل وكذلك روايات الواقعية السحرية وقصص بورخس التي شدتني وما تزال بعوالمها الأقرب لكتاباتي، وهو ما أتيح لي هنا في إسبانيا على وجه التحديد. إن تعلم لغة جديدة والنوم معها ليل نهار على مدى عشرين عاماً، تصبح بالتالي لغة أصل بجانب لغتك الأم. لغة رفيقة، لصيقة وليست لغة أخرى تالية للغة الأم. من هنا منحتها كل الاهتمام الممكن واحترمت خصوصيتها وحاولت اكتسابها تدريجياً لأشعر بها وتشعر بي بشكل متوافق، لهذا لم أكتب بها نصاً مباشراً إلا بعد مران وسنين تعلق طويلة. اللغة الإسبانية صقلت لغتي العربية، وعربيتي أضافت لإسبانيتي ما اعتقـدت أنـه ينقصها فـي المعنـى والممارســة. أستخدم اللغة الإسبانية للتخاطب وفي احيان عديدة (خاصة في الآونة الأخيرة) الكتابة بها مباشرة، صحيح أنني لم أجرب كتابة نصوص طويلة، بل التجربة في حد ذاتها في كتب شعرية وأخرى في نصوص قصصية ومقالات وبحوث تساعد على التعود وعلى تلمس أطياف اللغة واختلافها عن لغتك الأم. بقي أن اذكر وأكرر ما قاله غيري بأن كل واحد منا يولد بلغة وهي لغته الأصل ولا يمكنك أن تحيد عنها، البقية تنويعات مفيدة في صقل النص والتمرين المستمر منذ الأزل على الكتابة والتعلم.

* ترجمت عدداً كبيراً من الكتب والدراسات والنصوص الأدبية، كيف تختار النص لترجمته؟ وما الآليات التي تجعل هذا النص موجهاً للقارئ العربي من دونه؟

- على الرغم من أنني قد ترجمت أكثر من عشرين كتاباً والمئات من النصوص والمقالات المتناثرة في المجلات والصحف ومواقع الانترنت، إلا أنني أعد نفسي هاوياً ولست مترجماً محترفاً. هذه الهواية والمحبة للثقافة والترجمة بحد ذاتها تجعلني حراً في الاختيار دون مشروطية مسبقة.
أنا لم أكلف من قبل مؤسسة على ترجمة عمل معين ولا أعتقد أنني سأفعلها يوماً ما، لذا جل ترجماتي مبنية على قناعة و تواصل مع العمل المختار للترجمة، وللإنصاف لا بد من ذكر أن أغلب الترجمات حصلت على إعانة وتشجيع مـــن وزارة الثـقـافـــة الإسـبانـيـــــة.
مع ذلك حاولت في اختياراتي الترجمية أن انقل أعمالاً ونماذج شعرية وروائية إسبانية وأميركية لاتينية وجدتها جديرة بالتعريف، أعمالاً لأسماء معروفة وأخرى لأسماء قريبة من جيلي وذائقتي، فوجدت أن من الأفضل نقلها للقارئ العربي بدلاً من تكريس أسماء أخذت حظها من الترجمة سابقاً. لإعطائك مثلاً عما أقول فإنني ترجمت لشاعرين إسبانيين حصلا على نوبل للآداب ومع ذلك فقليل ما ترجم نتاجهما للعربية مثل خمينث وبيثنته آلكساندره، وهذا الأخير حسب علمي بأن ترجمتي التي نشرت قبل 15 سنة تعد الأولى إذ لم يسبق ترجمته ولا بكتاب واحد للعربية على الرغم من أهميته الكبرى في فهم الشعرية الإسبانية المعاصرة، هذا مع العلم أن مجايليه من الشعراء مثل لوركا وألبرتي تم ترجمة أعمالهما كاملة. مؤخراً ركزت ترجماتي ودراساتي على نماذج أدبية ذات صلة بواقعنا الثقافي المشرقي، وذلك من خلال دراسة وترجمة الآداب الموريسكية الإسلامية التي تركت نصوصاً وكتباً كثيرة منسية داخل الأدب الإسباني، وهو أدب جدير بالقراءة والتمعن، ولعل آخر ما أصدرته من ترجمة ودراسة لرحلة أحد الموريسكيين إلى الديار المقدسة بعنوان (ابتهالات الحاج) ما يمكن أن يكون نموذجاً لهذا الأدب وعينة من ضمن عشرات المخطوطات والنصوص المهملة والمبعثرة في متون الآداب الإسبانية الوسيطة. دائماً ما أقول إنه لو ان كل واحد منا (الآلاف منا منْ عاش في بلد آخر أو ما يزال يعيش) ترجم كتاباً واحداً في السنة لسددنا النقص الهائل في المكتبة العربية ولأغنينا القارئ العربي بنماذج جديدة منتقاة بدلاً من الإتكاء على نتاج ترجمي أصبح لا يفي بالجوع الثقافي لدى مجتمعاتنا وناسها.

* فزت بأكثر من جائزة إسبانية وأوروبية، منها جائزة الشاعر الإسباني انطونيو ماتشادو، وهي لم تعط سابقاً لأي كاتب عربي، ما الذي حصدته من هذه الجوائز؟ وما الخبرات التي أضافتها له؟ وكيف استفدت منها في تسويق كتبك؟

- الجوائز التي حصلت عليها جاءت من إسبانيا وليس من دول عربية، ما عدا رواية الأطفال (كنوز غرناطة) التي حازت على جائزة ادب الطفل العربي العام 1997 ـ وهي محفزة لي لسبب بسيط إذ إنها تأتي اعترافاً بجهد كتابي، وأن تأتي من جهة أجنبية لا تنظر سوى لنصك الأدبي وقيمته الحقيقية، إنما هو تقييم عادل واطمئنان نفسي لجدوى كتاباتك. وهو ما جرى لي مع جائزة انطونيو ماتشادو الممنوحة من قبل وزارة الثقافة الإسبانية ومؤسسة الشاعر المعروف أنطونيو ماتشادو في مدينة صوريا وبلجنة مــن كبار شعــراء ونقـــاد إسبانيا التي اختارت ديوانــي الشعري (دائماً) ليفوز العام 2009 بجائزتها العالمية، ومن ثم طبع الكتاب و تقديمه في مناسبات عديدة وفي مدن وملتقيات مختلفة. الجوائز بالطبع ليست بقيمتها المادية دائماً، بل بما يأتي فيما بعد من تقييم وترويج وتنبيه للآداب العربية الجديدة. هذه الجائزة الشعرية وقبلها جائزة في المسرح (الصوت الآخر) العام 2008، أتاحت لنصوصي الأخرى السابقة والتالية أن تصل للقارئ الإسباني وأن يحتفى بها في كل المهرجانات والملتقيات الناطقة بالإسبانية سواء في إسبانيا نفسها أو في دول أميركا اللاتينية التي زرت أغلب بلدانها في مناسبات مختلفة.
أعترف هنا أن هذه الجوائز واللقاءات المتتالية مع أدباء البلدان الناطقة بالإسبانية جعلهم يتنبهون للأدب العراقي والمطالبة بالمزيد منه، وهذا بحد ذاته تقييم كبير لا سيما لو عرفنا أن الأدب العراقي على مدى سنين طوال بقي مجهولاً للقارئ والمثقف الإسباني إلا في حدود الصرح الأكاديمي و عـوالم المستعربين.
عبر كل هذا أتيحت لي الفرصة بالكتابة والحديث عن الأدب العراقي في أكبر الملتقيات الأدبية داخل وخارج إسبانيا ومن ثم نقل العديد من الأنطولوجيات الشعرية للغة الإسبانية التي وصلت حتى اليوم لثلاث أنطولوجيات شعرية معاصرة تعد الأولى من نوعها في إسبانيا. برأيي أن فوز واحد منا بجائزة دولية وبأية لغة كانت إنما هو تعريف وتقييم ضمني بالنتاج الأدبي لأجيال متعددة، وهذا هو التعريف الحقيقي.

* عبد الهادي سعدون كاتب لا ينضب، فبعد عشرات الكتب القصصية والشعرية والروايات والترجمة، ما مشاريعك الجديدة، وبماذا تختلف عن كتبك السابقة؟

- هناك مخطوطتان قصصية وشعرية جاهزتان للنشر، لكنني متأن بنشرهما، منها كتاب (سُكرُ الباه) وهو في الإيروتيكية القصصية، وكتاب الأشعار المكتوبة بالإسبانية، إذ أعدت صياغتها بالعربية وأتمنى أن أنشرها أيضاً لأنها من ضمن التجربة وإن كتبتها بلغة أخرى. هذا من جانب الكتب المعدة للنشر، ولكن في الآونة الأخيرة ما يشغل بالي هو كتاب بقالب روائي عن شخصيات عراقية مرت في إسبانيا وتركت أثرها الكبير فيها، هناك شخصيات عديدة معروفة عاشت وماتت وتركت إرثها هنا، وهو كتاب أجد صعوبة في كتابته ربما لأنني طرف فيه، وهو ما يجعلني متوجساً من طريقة الطرح والتناول. أعمل على هذا الكتاب (الرواية) منذ فترة، وقد قطعت شوطاً كبيراً في تجميع مادته المتناثرة هنا وهناك عبر عقود طويلة. ما يحفزني على العمل هو تواجدي في المواقع التي عاشوا فيها ، ولشعوري بأنه دين لا بد أن أنجزه لإعادة ومضة ضوء على حياة بشر مروا بمحنة التشرد والاغتراب والابتعاد عن الأرض ولإعادة الاعتبار لحياتهم وأعمالهم بعد الخذلان والنسيان الذي طالهم.
لا بد من القول إنني أحلم بإنجاز كتب عديدة، لا يمر علي يوم دون تدوين فكرة أو واوضح سيناريو معين لكتاب قادم، كما أنني أمارس متعة الحكي عن القصص والكتب التي أرغب بكتابتها، وهو تمرين لحماية الذات من الوقوع في شرك الروتين أو هجر الكتابة، وهذا بحد ذاته ما يجعلني مستمراً في الرحلة، لا ضير عندي إن كتابة النص حقيقية أو مجرد الحلم بكتابته أو الحكي فيه.
يا لـيتـني كنـت حكــواتيـاً حقيـقياً افــرغ مـــن إنجاز حكايتي ما أن أسردها على الجمع دفعة واحدة كما أفعل في أحيان كثيرة، سواء في غرفــة مغلقــة أو أمام حشد في ساحــة عامة.