سباق الجوائز وسوق الكتاب أسهما في إهمال الشعر مقابل الرواية
الكاتب:الصباح
التاريخ:9/7/2013
  
  تم تقيم الموضوع من قبل 0 قراء

بغداد ــ صفاء ذياب
ربما لم يكن في بال الشاعر أنه سوف ينتقل لعالم آخر مبتعداً بذلك عن عالم الشعر الأثير، فالشعر مثل دواء مخدر يجعل من كاتبه مفعماً بالحياة والقول المقتضب. الشاعر يبحث دائماً عن عالم مبهج، عالم فيه من الخيال والتخييل ما يمكن أن يهرب من خلاله عن حياته اليومية.

حين يكون الشاعر روائياً
بغداد ــ صفاء ذياب
ربما لم يكن في بال الشاعر أنه سوف ينتقل لعالم آخر مبتعداً بذلك عن عالم الشعر الأثير، فالشعر مثل دواء مخدر يجعل من كاتبه مفعماً بالحياة والقول المقتضب. الشاعر يبحث دائماً عن عالم مبهج، عالم فيه من الخيال والتخييل ما يمكن أن يهرب من خلاله عن حياته اليومية. إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً واضحاً لدى عدد من الشعراء بانتقالهم لعالم الرواية. هذا العالم الذي يحتاج لتأنٍ كبير، ومزاج خاص لبناء حكاية سردية يأمل كاتبها أن تكون مختلفة عن الحكايات التي نقرأها بشكل يومي. فهل نجح الشاعر أن يكون روائياً؟ وما الحدود التي تختلط فيها الرواية بالشعر؟ وكيف يمكن أن يقدم الشاعر نفسه كروائي؟
عقدة التصنيفات

لا يعتقد الشاعر والروائي عبدالهادي سعدون بمسألة التحول من جنس أدبي لآخر، بل يعده تواصلاً وتعاشقاً ما بين نوع وآخر، والغرض الرئيس من كل ذلك هو كتابة نص يغني الموضوعة ويجد لها قالبها الخاص سواء كان ذلك عبر نص قصصي أو روائي أو شعري أو حتى نص جامع ما بينها، وهناك نماذج عديدة يمكن التمثل بها.
"أتذكر أن نصوصي الأولى كانت تنحو نحو الخلط المتعمد ما بين الجنسين، بل أن روايتي الأولى غير المنشورة حتى الآن، اتخذت من الشعر بنية داخلية للمتن الحكائي، كما أن هناك نصوصاً قصصية عديدة لي نشرت في كتب ومجالات مارست فيها هذا المزج والتناسق ما بين الشعر والقص".
ويضيف سعدون: إذا ما رغبنا التركيز على السؤال نفسه (تحول الشاعر للرواية) فلا بد أن نشير إلى أن النقد العربي ما زال معنيا بتصنيف الأديب في حقل واحد، وكأنه لا يرغب بإدراجه في أكثر من صنف أدبي، ما زلنا نعاني من عقدة التصنيفات ولا نرضى بكاتب شمولي يكتب بكل الأصناف التعبيرية. عليه من الصعب الإجابة عما يدور في ذهن الشاعر وهو يكتب في القص والرواية، و"لا أجد جواباً آخر سوى تعددية العدة وانموذجها المناسب في كل كتاب جديد، ولعل الرواية أيضاً تمنح متسعاً أوسع ومناخات أكبر للتلاعب الأدبي والانفراد والتجريب داخل النص الحكائي المطول". الشاعر روائياً أم الروائي شاعراً، لا أحد يطرد الآخر ولا الآخر يجابه الأول، بل الغرض الأكبر من كل نص أدبي هو جدواه وجدارته بالنشر والبقاء.

 رواية الجوائز

وترى الشاعرة منال الشيخ أن هذه الظاهرة ازدادت مؤخراً نظراً لتراجع القراءة بشكل عام واختلاف السوق العربي للنشر، والأهم هي الجوائز الجيدة التي صارت ترصد للأعمال الروائية. صارت البوكر مثل سعار جماعي للتسابق في كتابة الرواية، وربما تلمس أن عدد الروايات التي تصدر سنوياً يفوق معدل القراءة في المنطقة العربية بمستويات ومراحل.
"رأيي سيختلف قليلاً عن الآخرين في زاوية معينة، بما لأني أكتب السرد والشعر منذ البداية، فالرواية لم تكن بعيدة عني منذ بداياتي. حتى في الوقت الحالي وأنا اشتغل على روايتي أجد مساحتي الخاصة في كتابة الشعر بين حين وآخر.
ولا أجد أي تناقض في كتابة الجنسين طالما الكاتب يملك ملكَة السرد والحكي". وتؤكد الشيخ أن لغة الشاعر ستختلف عن لغة السارد في كتابة الرواية، وستلمس تأثيرات الشعر في الجمل أكثر، وتعتقد أن هذا لا ينقص من جمالية العـــمل إن كـــان مشغـــولاً بحـكمـــة ودرايــــــة.
"نحن نحتاج أحياناً لمساحة أكبر لنقول ما لا نستطيع قوله شعراً وهذا سبب كافٍ بالنسبة لي أن أكتب الرواية".
ولنذكر مثالاً قريباً على ذلك الكاتبة الألمانية هيرتا موللر الحائزة على جائزة نوبل للعام 2009، وهي شاعرة وروائية وكاتبة قصة قصيرة. لو تراجع أعمالها المترجمة ستجد أن الغالب هو ترجمة السرد أكثر من الشعر، و"أعتقد هي للأسباب نفسها التي تحدثنا عنها، مثل الذوق القرائي وسوق النشر. وأظن أن تقويـــم الرواية أسهل بكثير مــــن تقويـــــم الشعر".
 سباق محموم

وبحسب رأي الشاعر والروائي وديع شامخ أنه شاع في الثقافة العراقية سياق تحول الشعراء إلى كتابة  الرواية. ولنقل ان الشعر شكّل خط الشروع الأول للدخول إلى حقل الإبداع للكثير من الروائيين العراقيين.
مبيناً أن كتابة الشاعر للرواية أو أجناس كتابية أخرى ليس بجديد على المشهد الإبداعي عموماً، "لكني لا أعتقد أن كتابة الشاعر للرواية هو تحول جذري في أدائه، لما للفنون الكتابية؛ شعراً وسرداً، من وشائج وعلائق وجذور متشابكة، خصوصا بعد أن انفتحت الأجناس على  بعضها لغرض إثراء النص الوليد "شعراً أم رواية"، وهذا لا يعني أيضا غياب التجنيس  تماماً أو غياب ملامح الجنس  الأدبي كلياً"، فالشاعر كائن له مجساته  الجمالية ورؤاه ونزعته الإبداعية التي تجعله كالنحلة متجولا بين حقول البوح الإبداعي ليكتب نصاً شعريا هناً، وما لا يصح شعراً يعيد إنتاجه رواية.
ولكن الشعر ليس بديلاً عن الرواية أو العكس، بل إنهما شكلان جماليان سيكون الكائن صاحب حظ كبير إذا ما استطاع الجمع بين كتابة الشعر والرواية على الوتيرة نفسها  من الجودة  والإتقان.
و"من  خلال متابعاتي للشعراء الذين يكتبون الرواية نلاحظ  إثراء الشاعر لحقل السرد الروائي عندما تكون له رؤية واضحة وموهبة متقدة وقدرة على فرز النظام الجمالي الداخلي والشكلي لكلا النمطين الإبداعيين،
وأحياناً نرى سقوط الشاعر في فخ الشعرية على حساب المادة السردية في  كتابة الرواية، فالشعر والرواية وإن تشابها وتلاقحا، لكن الفرق يبقى واضحاً في الخصائص الفنية  والإدائية لكلا الشكلين".
يبدو أن الشعر والرواية في سباق محموم  في المشهد الإبداعي العربي والعالمي، والآن تحتل الرواية صدارة المشهد، وربما يكون هذا أحد الأسباب المهمة لتحول الشعراء لكتابة الرواية.
بين الرواية وقصيدة النثر

ويبيِّن الشاعر والروائي حسين القاصد أن الأمر قد لا يكون سهلاً على الشاعر حين يجرب كتابة الرواية، وذلك لكون الشعر أسرع الأجناس الأدبية تفاعلاً مع الحدث. فالشعر لا ينتظر النتائج ولا يخوض في الصراعات مثل المسرح والرواية، لكن ما يساعد الشاعر على كتابة الرواية هو الشعر نفسه، كون الشعر داخلاً في كل الأجناس الأدبية من قصة ومسرح وما إلى ذلك، و"حسبنا أن نرى دراسات في شعرية القصة وشعرية الرواية فضلاً عن المسرح الشعري الذي انحسر مؤخراً بعد انتشار قصيدة النثر، وهذا يعني بقاء المسرح شعرياً، ويعني أيضاً الشطب الكامل على التعريف القديم للأدب بأنه (شعر ونثر) وذلك لأن الشعر يتغلغل في كل النصوص الأدبية من منطلق أن الأدب نشاط تخييلي أداته اللغة". من هذا المنطلق يرى القاصد أن الشاعر لن يحتاج سوى أن يتحلى بالصبر، فالرواية لا تتفق مع شهوة انتهاء القصيدة لدى الشاعر، بل على العكس تميل إلى التلذذ بالإطالة والصبر لحين الانتهاء. وبعد سطوة قصيدة النثر ذات الطابع التأملي لا المنبري والتي تنتمي إلى منطقة الصبر في الكتابة، صار الشاعر مؤهلاً أكثر حتى من الروائي نفسه، وذلك لسعة خيال الشاعر، و"أرى أن العراق مقبل على عصر الرواية بعد التراكم والخزين الذي توفر لديه من حكايات وسرديات كانت مكبوته وإذا نطق بها أحدهم أخذت جانب السرد الحكائي لا الروائي الفني"، خلاصة القول: إنه عصر الأديب وليس عصر الروائي أو القاص أو الشاعر، فإذا ما توفرت الموهبة والقدرة على الإبداع توفر النص وفق أحد الأجناس الأدبية شرط أن يكون المبدع مبدعاً حقيقياً، أما "تجربتي في الرواية فقد كانت رواية واحدة فقط ولا أعدها روايتي الأولى بالمعنى المميز، على الرغم من أنها نالت من الشهرة في البلدان العربية، وقد تناولها مؤخرا المغربي (عبد الله بلعيد) في صحيفة الشرق الاوسط، فأنا بانتظار انتهاء روايتي (قيامة العربان) التي أتوقع لها صدىً طيباً".