مم تتألف الثقافة العراقية؟

   

الكاتب:ياسين النصير

05/8/2017 12:00 صباحا

ياسين النصير
عندما يتحدث البعض منا عن الثقافة، فلا يجد غير القصة والرواية والشعر ممثلًا لها، وإذا حذفنا الرواية والقصة والشعر من الثقافة العراقية، لانجد للثقافة حضورا بمفهومها الإنساني والاجتماعي العام، في اي من أدبياتنا وندواتنا ومهرجانات الثقافة، ويقتصر الحديث عن ثقافته بمستواها الأيديولوجي الديني والطائفي
لعل اقل ما يقال عن ممارسي الثقافة الرسمية من أنهم هواة، يعتبرون التوظيف في حقولها اهم من تنفيذ مشروعاتها، فجهلهم بحقول الثقافة العميقة، كالمثيولوجيا،والانثروبولوجيا، والعمارة الشعبية، والعادات، والتقاليد، والصناعات، والاختصاصات العلمية، والمهنية، والسرديات الشفاهية والمدونة، يجعلهم لا يدرجونها  في حقول الثقافة، لأنهم لا يعرفون أنَّ لهذه الميادين دورا في بنية الهوية الاجتماعية للبلاد. والأمر غير مقتصر على رجل السياسة أو الإنسان العادي الذي وجد نفسه نتيجة المحاصصة في مركز ثقافي يمارس سلطة ما على النشاط الثقافي فقط، إنَّما على التوجه العام للمؤسسات التي من شأنها أن تُثبّت قواعدعمل دائمية. لذا لم نجد أنشطة ثقافية متبناة من قبل الدولة في حقول المعرفة المؤسسِة، ولا فعالية ثقافية رصد لها ما يديمها من أموال، دون أن تكون تحت اشراف الموظفين. بحيث نجد أن في كل عام يجهد المعنيون في مهرجان المربد وغيره، بوضع سلسة من الخطط والجداول والاقتراحات والبرامج والتخصيصات المالية، ثم يتقدمون بها للجهات المعنية علّها تساعدهم أو تتفضل بتغطية بعض فقراتها، يجدون أنفسهم في سباق ماراثوني بين وزارة الثقافة ، والهيئات الإدارية المكلفة بالفعالية، وتكون النتيجة  تخصيصات قليلة واشتراطات كبيرة، وان ما يصرف يتم باشراف الوزارة او الجهة المعنية، وكأن الأدباء لصوص يسرقون أموال الفقراء وحقوقهم، هذه الحال جزء من عدم فهم ماهية الثقافة ودورها وتشعباتها واختصاصاتها، في حين أن أية فعالية تقيمها جهة لديها مؤسسة مسجلة قانونيا، تمنح تغطية مالية أولية لمدة ثلاث سنوات، واذا نجحت الجهة القائمة بالفعالية الثقافية، تصبح المعونة المالية دائمية.
المشكلة لا تكمن في عدم فهم العلاقة إنَّما في الطريقة التي تريد المؤسسات فرضها، فمؤسساتنا لا تفهم انَّ الثقافة نشاط اجتماعي يُلزم الدولة على إدامته وتوسيع المشاركة فيه.
لأكثر من قرن والمختصون في العالم يبحثون في الشأن الثقافي العام، ولم ينته البحث إلى نتائج تعريف شامل للثقافة، كل التعاريف المعتمدة والتي بلغت 168 تعريفًا، تناولت أجزاء من الفهم العام والخاص للثقافة الإنسانيّة، بحيث تجد بعض التعاريف تختص بثقافة بلد معين، وأخرى بسلوك قوم، وثالثة بطرائق البحث عن الموروث وعلاقة الثقافة بالمعاصرة، وكلما اتسعت الحقول المعرفية أضيف للثقافة تعريفًا جديدًا، وآخر التعاريف التي أضيفت مختصة بعلم المكان "البروكسيميا"،وهو العلم الذي تشترك فيها كل الشعوب، حين أفرز الأكاديميات تعريفًا للثقافة يخص حقل اشتغاله. فقالت: تعني الثقافة البروكسيمية" الطريقة التي يعطي بها الإنسان معنى للعالم المحيط به، بحيث يمنحه تعاملًا بثقة مع الآخرين" .بمثل هذا التحديد الدلالي للثقافة تصبح الثقافة جزءا من علم نفس السلوك الإنساني، وجزءا من هوية مجتمع متعدد الأثنيات.
قد يبدو سؤالنا في هذه المرحلة  عن أهمية الثقافة العراقية بطرا، أومستهلكا، لأنَّه في غير أوانه كما يعتقد السياسي، مادام البلد مشغولا بقضايا الإرهاب والنازحين، فليس من فرصة متاحة - لخزعبلات المثقفين- كما سمعت أحد المسؤولين وهو يصف مهرجان المربد الأخير -عندما سمع قصيدة لا تعجبه-. ولكنه السؤال الفلسفي الذي يملك تعقيدا غير منظور في فهمنا للثقافة ككل.فهي الحقل الذي يختص بالإنسان، وليس بالكتابة أو التمثيل أو الرسم، الإنسان الذي تقع عليه مهمة تطور المجتمع.
لا أحد ينتبه لمثل هذه العلاقة، بحيث لم نشهد أيَّة ممارسة ثقافية تهتم بقضايا الإنسان العراقي، أو بتجديد مناهج التعليم له بعد مرحلة داعش، أو بفهم العلاقة بين الاقتصاد والصحة، أو علاقة العمارة بسكن الناس، أوالمدينة بطرائق العمل، أو العلاقات الدولية ودور الإنسان في تنميتها، أوالسوق بحاجات الإنسان المعيشية،...الخ، وهناك من الحقول التي تختص الثقافة فيها هي جزء من وظائف السياسة، فمن أجل ان نجعل ثقافتنا عالمية، - بالرغم من انحسار دورها محليا-، لابد من فهم جدلي أن للإنسان العراق الحق في أن يفهم ثقافة الآخر، وأن لا تجعله السلطات إنسانا منعزلا، فالصلات بين الشعوب تلبيها الثقافة أكثر مما تلبيها التجارة التي يقتصر دورها على نخب الرأسمالية، أن الثقافة كإنتاج مادي وروحي تنتج ثمارًا مرئية وغير مرئية، وتصبح ملكا مشاعا للبشرية وتجعل من العراقي غير منعزل، أو منكفئ على نوع من الممارسات المحدودة ، فعندما تكون ثقافتنا بافق ضيق تحسس ذاتك بان من يحكمنا افقه ضيق، لذلك تتطلب الحال بالتأكيد ألا يقف المثقف مكتوف الأيدي لسياسي لا يفهم دوره، عندئذ ستكون الثقافة العراقية بكل مفاصلها القديمة والحديثة بمواجهة السلطة السياسية.
وبمثل ما هي عليه تركيبة الشعب العراقي من أثنيات وأديان ولغات ولهجات تحمل الثقافة العراقية هذا الإرث، ففيها من الحقول غير المدروسة ما يجعلنا نختار التعاريف التي تنسجم وطبيعة المجتمع العراقي المتعدد الأصوات، وبمجمل هذه التعددية لن تخرج الثقافة عن السياق العام للثقافة في العالم، ولكنها تشير إلى نوع من الخصوصية التي تمارس الجماعات الاثنية العراقية حياتها في التخاطب والاجتماعات والعلاقات والسلوك في المقاهي والشوارع والوظائف وغيرها، وسيجد الدارس أن هذه الحقول لم تدرس بما يغني تعريف الثقافة ككل، لأن القوى السياسية وعلى مدى قرن كانت تعطل هذا الدرس وتتجاهله، فكيف بها إذا كان الهدف من دراستها الوقوف على نوعية السلوك الذي يؤلف خطابنا الثقافي محليا وعالميا؟.
من أسس الثقافة العراقية التي تبنتها نصوصها القصصية والشعرية والروائية والفنية على مدى تاريخها، هي دعوة المثقفين لكشف ألاعيب السياسي الذي يريد ابقاء الفقراء فقراء، والمعوزين معوزين، والبسطاء بسطاء، ليس من غاية إلا أن يكونوا تابعين له، وإلا فأي وعي ثقافي سيجعل الفقير والمعوز والبسيط يفكر بأنه مستلب الإرادة، ومصادرة حقه في الحياة. مهمة الثقافة العراقية حين ارتبطت بقضايا الشعب طوال قرن من الزمن كانت تحرير الناس من هيمنة القوى السياسية التي تتحكم برقابهم ومعاشهم ومستقبلهم وحتى بعد موتهم.
   

المزيد من المواضيع