أناقة العراقي أمام تحدّيات الحداثة واستلهام التاريخ الثقافي

   


06/8/2017 12:00 صباحا

عدنان ابوزيد
يهتم سياسيو العالم، - والعراق ليس استثناء - للظهور في صورة رصينة من المظهر، يعكسون من خلالها شخصياتهم، ويعبّرون عنها، ضمانا لاستمرار الشعبية، فيما تبدو النخب الاجتماعية حريصة أيضا على هندامها وتعده جزءا مهما من فرض الهيبة. على أن اقلّ هؤلاء اهتماما بالمظهر هم الأدباء وأصحاب القلم، والكلمة، وأقل منهم بدرجات أصحاب المهن الشاقة، لضرورات تفرضها أعباء الحياة، وصعوبات العيش.وليس من جدل في القول، بأن الزي بات مكملا لكاريزما مطلوبة، لاسيما عند أولئك الذين يتصدّون لمهمات تمثيل الشعب في المجالس الوطنية والبرلمانات، ولدى أصحاب القرار، من مسؤولين حكوميين، بدرجاتهم المختلفة، فيما بدا الحقل الدبلوماسي، الأكثر تركيزا على الهندام، حيث يعبّر العاملون في هذا السلك عبر مظهرهم، عن «شخصية» بلدهم، وعادات وتقاليد شعوبهم.
كما ليس من شك، في أن زي الفرد، يؤثر في شخصيته، ويتفاعل مع عقله اللا واعي، في استحضار سلوكه الآني، فمن حيث يعلم أو لا يعلم، فانه يناسق بين لون الزي ونوعه، والمنصب الذي يشغله، والمناسبة التي يحضرها، وفيما اذا هي سياسية أم اجتماعية، أم عائلية.


ثقافة عابرة للحدود
وفي الوقت الحاضر، وهو عصر التواصل اللحظي، والإنتاج الوفير من سلع المظهر الخارجي، وعبورها الحدود بفعل التجارة العالمية
التي تتجاوز الخصوصية، فان التمايز في المظهر بين أفراد الشعوب المختلفة، يكاد ينحسر، وباتت الفروقات شبه معدومة في الخيارات المتاحة، ومن ذلك أن اغلب زعامات العالم، ونخبه في المجالات المختلفة، ترتدي البذلة الغربية حتى في الدول التي تحرص شعوبها على ارثها الثقافي في الأزياء، مثل الصين واليابان.
وفي العراق، البلد الذي تسيطر عليه عادات وتقاليد عربية وإسلامية، تاريخية ضاربة في القدم، فان اغلب النخب السياسية تفضل البذلة الغربية، فيما انزوى الزي التقليدي الذي يتألف من الثوب والعقال بعيدا في القرى والأرياف.
ويقول سيف العبيدي مدير «قسم الإنتاج» في الدار العراقية للأزياء، لـ»الصباح»، ان «الكثير من النخب العراقية هي مقلدة في زيّها للموضة في العالم»، مشيرا الى ان «الكثير من الأزياء الرائجة اليوم لا تناسب الهندام العراقي، وسبب ذلك يعود الى غياب التصميم الوطني للزي الذي يلبي الظروف البيئية، والثقافة المحلية».
ويرصد العبيدي «البطء في تطوير الزي العراقي وملاءمته للعصر بسبب العادات والتقاليد المحافظة التي تفرض قيودا صارمة على شكل الزي وتصميمه، للرجل والمرأة على حد سواء».
ويفسّر العبيدي انحسار الزي الوطني عند النخب في العراق، واغلب دول العالم الى «الانفتاح الثقافي والاقتصادي الذي جعل من الكرة الأرضية قرية واحدة»، معتبرا في ذات الوقت إن «تفاعل الحضارات ثقافيا واجتماعيا وحتى صناعيا غيّر أزياء وأشكال الملابس».


الزي الخليجي يتحدى
وتبقى نخب دول الخليج العربي، الأكثر صمودا بوجه تقليعات الأزياء الجديدة، فضلّت محافظة على أزيائها المحلية، ترتديها على رغم انفتاح أسواقها وثقافاتها على العالم، ويشترك في ذلك الملوك و الأمراء والشيوخ الأثرياء، ورجال القبائل على حد سواء.
 ويقول الشاعر والإعلامي علي ابو عراق لـ»الصباح» ان «أزياء المشاهير والنخب في المجتمعات المسلمة ومنها العراق، تخضع الى مقاربات ما يسمى بالزي الشرعي بسبب دور المعتقد الكبير في المجتمع».
ويشير أبو عراق في هذا الصدد، الى «استثناءات لدى بعض النخب الأدبية والثقافية، خرجوا فيه على التقليد السائد، مثل الشاعر محمد مهدي الجواهري وطاقيته المزركشة والشاعر الزهاوي وسدارته المكوية، فضلا عن العشرات من الأدباء والفنانين بشعورهم المرسلة وتسريحاتهم الغريبة».
يقول أبو عراق «كلما انغلق المجتمع اجتماعيا تصبح فرص الحرية والتنوع والخروج على المألوف محدودة».
ولنركّز على الكتاب والمثقفين قليلا، فبحسب كارولا لونج في كتابها الذي حمل اسم :
«Legendary Authors and the clothes they wore»، فان الكُتّاب الغربيين لا يشتهرون عموماً باهتمامهم بالملابس، مع وجود استثناءات ملحوظة، مشيرة الى ان «التقاء الموضة بالخيال الجامح للأدباء والفنانين، يمثل مزيجاً صارخا من الإبداع الحياتي».
ويذكر الكتاب، بعض الكتاب المشهورين، وطريقة ارتدائهم للزي منهم كارل أوف كنوسجور، الذي يحمل لقب «بروست النرويج»، الذي اشتهر بتفضيله البدلات الجلدية، تحت قمصان وبلوزات مصنوعة من الكتان.
وتحدث كتاب «المؤلفون الأسطوريون والملابس التي يرتدونها» من تأليف تيري نيومان، ونشرت عنه صحيفة «الاقتصادية» الخليجية، عن صاموئيل بيكيت، وارتدائه أحذية كلاركس والابي.
فيما كان الكاتب أوسكار وايلد، من الذين اتبعوا الأسلوب البوهيمي في الملبس، حيث الفوضى تسود المظهر الخارجي للفرد.
وارتدت الكاتبة والشاعرة إديث سيتويل ما يوحي وكأنها من «ساحرات العصور الوسطى»، حيث القبعة الضخمة التي تبدو مثل ستائر، والقلائد ذات الصلبان الضخمة.
وردّد مارك توين دائما بأن «لا قوة دون ملابس. إنها القوة التي تحكم الجنس البشري»، فيما كان كاتب المقالات المعروف هنتر تومسبون، يفضّل بدلات «السفاري»، وكأنه في رحلة لا تنتهي في هذا العالم.


كاريزمات ثقافية عراقية
ومازال الحديث حول أزياء النخب المثقفة مفعما بالتفاصيل المثيرة، حيث يتحدث عضو المكتب التنفيذي لاتحاد الادباء والكتاب في العراق رياض الغريب عن «غياب كاريزمات ثقافية عراقية تختلف في أزيائها عن الآخرين»، مرجعا أسباب ذلك الى «الاعتقاد بأن الاختلاف يبقى مشكلة في ظل السائد والمألوف اجتماعيا».
ويستطرد الغريب «الفرد يقع في اختياره لملابسه تحت تأثير المحيط الذي يحيط به ويبدو ان عقدة الأفندي مازالت قابعة في دواخلنا ولا يمكن ان نتخلص منها باعتبار ان ( الأفندي) هو النموذج السائد في المناسبات الرسمية او غير الرسمية وحتى المناسبات الاجتماعية ولا يزال تأثيره في المحيطين به ساحرا حتى هذه اللحظة».
ويكشف الغريب عن ان «المثقف العراقي سواء كان فنانا أو أديبا هو ابن ذلك الموروث الجمعي ولا يمكن ان يغادره، اذا ما استثنينا بعض الشباب المشتغل في حقل المسرح، حيث يتطلب عملهم منهم، التميز والتمايز على مستوى الأزياء او حتى في بعض ما يرتدونه من زي مختلف عن الآخرين وهؤلاء يشعرون في حرج وربما يتعرضون لنقد الآخر خاصة في المناسبات الرسمية أو الاجتماعية».


آراء مصممي الأزياء 
واقترابا من ذوق النخب السياسية العراقية في «الملبس» يشير مصمم الأزياء العراقي العالمي، ميلاد حامد في حديثه لـ «الصباح» الى ان «الكثير من النخب السياسية والثقافية في العراق لا ترتدي ما يناسبها، بسبب عدم اهتمامها بالمظهر، كما ان خياراتها (ضيقة) لأن سوق التصميم والأزياء في العراق لا تزال محدودة، لا تلبي حاجات الأذواق بصورة كاملة».
ويعتقد ميلاد ان هناك «حاجة الى ثقافة زي وطنية، تجعل من العراقي مواكبا لحركة الموضة في العالم، ولكي يختار العراقيون ما يناسب أحجامهم، كما يجب أن تنسجم الألوان مع ظروف البيئة التقليدية في البلد».
 وينظر المصمم العراقي مراد الخياط في حديثه لـ»الصباح» الى تصميم الزي باعتباره «الهوية التي تعكس الشخصية ومستويات الذوق التي تترجمها طريقة اختيار الألوان والموديلات ولا سيما الستايلات الحديثة والكلاسيكية».
يستطرد الخياط «جزء كبير من تميّز الشخص يعود الى فرادة زيّه، والامثلة في هذا الصدد كثيرة، نجدها لدى الفنانين المشهورين، الذين يحرصون في الغالب على أزياء استثنائية خاصة بهم».
ويدعو الخياط «الفرد العراقي الى ان يكون أنيقا في مظهره الخارجي، سواء على مستوى النخب او الأفراد العاديين، لاسيما ان بغداد، كانت في يوم ما، رمزا للترف الثقافي، وكان «التبغدد» صفة تطلق على أولئك الذين يحسنون الهندام، ويحرصون على الاناقة».


الدار العراقية للأزياء .. وجهة نظر
ولابد من إغناء هذا الجدل بوجهة نظر  الدار العراقية للأزياء ، اذ تحدثت هدى يحيى، مدير العلاقات والاعلام في الدار العراقية للأزياء لـ»الصباح» عن ان «الدار تحرص في الدفع بالذائقة العراقية الى مستويات أرفع، على رغم العامل المادي الذي يعوق الكثير من نشاطات الدار».
وتابعت القول «نسعى الى تعريف المواطن العراقي، لاسيما الجيل الجديد، بتراث العراق وفولكلوره في الوقت نفسه الذي تعرّف به العالم أيضا».
وزادت في القول «واجب على العراقي ان يرتقي بثقافة الزي، الى مستويات تجعل من مظهره الخارجي، معبرا عن تاريخ بلاده الممتد الى الحقب السومرية والبابلية والاكدية والاشورية وكلها حضارات أولت اناقة الفرد، أهمية كبيرة».
ودعت يحيى «النخب العراقية و الأفراد العاديين الى استلهام الأزياء التراثية وتلك الضاربة في التاريخ ، لصقل الذائقة، وجعل الفرد العراقي متميزا في شكله، ومظهره الخارجي» 
مشيرة الى ان «الدار في حالة انشغال دائم في مشاريع مستقبلية لإنشاء آلية وخطوط انتاج لأزياء تستنبط التاريخ والفولكلور، وتمزجها بالحداثة لتوفير منتوج  عملي يمكن ارتداؤه بشكل يومي، ويكون متوفرا في الأسواق المحلية».
   

المزيد من المواضيع