أنباء تحرير تلعفر تنعش أماني العودة والإعمار

   


26/8/2017 12:00 صباحا

عدنان أبوزيد
ينظر اللاجئ العراقي مراد احمد (25 سنة)، المقيم في العاصمة البلجيكية بروكسل، الى بدء معركة تلعفر التي أعلنها رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في 20 آب 2017 باعتبارها «القصاص العادل» من قتلة أخيه الأصغر الذي راح ضحية هجوم تنظيم داعش الإرهابي على مدرسة ابتدائية في مدينة تلعفر، التي تركها منذ العام 2014 لاجئا الى أوروبا بسبب الارهاب، مؤكداً لـ (الصباح)  انّ «اللاجئين العراقيين من الموصل وتلعفر بصورة خاصة يتابعون عمليات تحرير المدينة، لحظة بلحظة».
أحمد الذي يتابع اخبار عمليات التحرير عن كثب يرى ان «تحرير الموصل في 10 تموز 2017، والنصر المقبل في تلعفر، ينعشان الآمال من جديد في زيارة الوطن، في أقرب وقت، على طريق العودة النهائية من
المهجر».
ويستطرد احمد وهو يستذكر عبر الانترنت، صور التلاميذ الضحايا، فيقول: «هذه المدينة التي يسكنها مواطنون يمثلون اغلب أطياف الشعب العراقي، تمثّل بمكوناتها المتنوعة، فسيفساءً وطنياً مزخرفاً بألوان من الثقافات والمعتقدات التي صبغت مجتمعها بلون خاص، قد نُكبت اكثر من غيرها، بالإرهاب».ومدينة تلعفر، من المدن العريقة في العراق وتقع على بعد حوالي 70 كم شمال غربي الموصل.
العاطفة وحدها لا تكفي
وفي حين يرى المتحدث الرسمي باسم «المفوضية العليا لحقوق الإنسان»، الدكتور علي أكرم البياتي، في حديثه لـ«الصباح» الى أمنيات أبناء المدينة في العودة باعتبارها استحقاقا، وعلى الدولة ان تساعدهم في تحقيقه، الا انه يرى ان «العاطفة وحدها لا تكفي في هذا الجانب»، فيقول: «قبل اتاحة المجال لعودة السكان، ثمة حاجة الى تعزيز وجود الدولة وهيمنتها امنيا وإداريا، لان ذلك سوف يكون مفتاح الحل، وعدا ذلك، فسوف نكون رهن المعادلات الإقليمية». واعتبر البياتي ان من «الضروري توفّر إرادة وطنية في تلعفر والمناطق الأخرى، في إحلال الامن وإعادة الاعمار، لان ذلك سوف يشجّع على جذب الدعم الدولي، بعيدا عن التدخل في التفاصيل السياسية والإدارية».
ويدعو البياتي «الى توفير الضمانات لأبناء المدينة، لاسيما في الأبعاد الأمنية والعسكرية، لكي يتحمسوا للعودة، بعيدا عن الهواجس والمخاوف من تكرار مشاكل الأمس، لاسيما ان لهذه المكونات قوى امنية وواجهات سياسية يمكن ان تتعاون فيما بينها لتأمين مستقبل المدينة».
وفي حين يدعو البياتي الى «تشكيل إقليم خاص يضم تلعفر بعد تحويلها الى محافظة، وسهل نينوى وسنجار، لتحقيق المزيد من الاستقرار الإداري والأمني»، عبّر النواب التركمان في البرلمان، ‏في 21‏ آب‏، 2017، عن تطلعهم بأن يكون قضاء تلعفر في محافظة نينوى، «محافظة مستقلة بذاتها»، منطلقين من حقيقة ان تلعفر أكبر قضاء في العراق ويستحق هذا «المستوى الإداري» بعد طول معاناة.
وكان مجلس الوزراء العراقي قد قرر في 21 كانون الثاني 2014 تحويل قضاء طوز خورماتو في محافظة صلاح الدين (180 كم شمال غرب بغداد) وتلعفر في محافظة نينوى (375 كم شمال غرب بغداد) إلى محافظتين مستقلتين. ويستطرد البياتي في الحديث: «في جانب إعادة الإعمار في تلعفر، فان حالها حال المناطق الأخرى التي تحررت من داعش، تحتاج الى دعم دولي بإشراف حكومي، يضمن عدم ضياع الأموال في مشاريع فاسدة، لصالح شخصيات وأحزاب، حيث يسهّل ذلك عودة الآلاف من أبناء المدينة الذين يعيشون في مناطق الوسط والجنوب من البلاد والبلدان المجاورة»، معتبرا ان «عودة الكثير من هؤلاء سوف يكون رهن ارتباطاتهم الوظيفية والأسرية الجديدة التي نسجوها في المناطق إقامتهم الحالية، ما يتطلب تقديم الحوافز المادية والمعنوية، لحثّهم على العودة الى تلعفر».

إعادة الإعمار والعودة
وعلى منوال البياتي، فان النائب في البرلمان العراقي عن «ائتلاف دولة القانون» جاسم محمد جعفر، يدعو في حديثه لـ«الصباح» الى «الاستفادة من التجربة المريرة في مدينة تلعفر ذات الحساسية الطائفية والقومية، حيث أُبعد الآلاف من سكانها، وقُتل منذ 29 حزيران 2014، الكثير من أبناء طوائفها وأقلياتها».
ويرى جعفر ان «إعادة إعمار المدينة سوف تدفع المهجّرين الى العودة» داعيا «الدول الإقليمية الى المشاركة في توفير الدعم عبر لجان مشتركة، تجنبا للحساسيات القومية والطائفية».
ويدعو جعفر بعد استكمال خطوات الأمن والاستقرار الى «الإسراع بتحويل تلعفر الى محافظة، يكون فيها توزيع المناصب الإدارية والسياسية على أسس عادلة، ضمن استحقاقات وحقوق الجميع».
وعلى غرار احمد، يتطلع الكاتب والإعلامي جعفر التلعفري، المهجّر من تلعفر الى كربلاء، حيث يقيم هناك منذ العام 2014 الى مستقبل يسوده السلام والامن، فيقول لـ«الصباح» ان «متابعة مجريات الأحداث التي عصفت بتلعفر بعد منتصف 2014، يُظهر أن تلعفر مقبلة على واقع أفضل مما كانت عليه خلال السنوات من 2005 إلى 2014 حيث كان الفرد فيها لا يتمكن من مغادرة حدود المدينة، بسبب الاستهداف على الهوية».
وينطلق التلعفري في تفاؤله من حقيقة ان «الكثير من الدول أبدت رغبتها في المساهمة في إعادة إعمار المدينة التي تعرضت إلى أضرار بالغة في بناها التحتية».التلعفري ينقل ثقة أهالي المدينة بالجيش العراقي والحشد الشعبي والقوات الساندة الأخرى في إحلال السلام والأمن بالسرعة المطلوبة»، مشيرا أيضا الى «شخصيات مدنية محلية ومنظمات دولية بينها الأمم المتحدة تسعى الى إشاعة روح التعايش، عبر برامج ولقاءات بين أطياف المدينة المختلفة».
وليس الاهتمام بتلعفر مقتصرا على نخبها فحسب، فهذا الكاتب والإعلامي هادي الحسيني المقيم في بروكسل، يشير في حديثه لـ(الصباح) الى ان «تحرير تلعفر سوف يوقف الشعور بالخوف من نجاح القوى الإرهابية في تحقيق غايتها عبر انفلات عقال العواطف، والهياج الطائفي، ولابد من الاحتراس لتجنب وقوع المزيد من المعاناة». المعاناة التي يدعو الحسيني الى تجنبها، تترجمها صفحات المدينة على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، وابرزها صفحة «تلعفر مدينة الشهداء» التي توثّق عبر تدوينات، وصور، كوكبة من شهداء المدينة منذ العام 2014 وحتى الوقت الحاضر، منهم الشهيد النقيب حمزة جعفر، الذي استشهد في قاطع عمليات نينوى، ومنتظر عابدي، الذي استشهد أثناء تطهير إحياء الموصل القديمة، وعبدالستار محمود حسين ال صالح الهابش، المنتسب الى تشكيلات الفرقة الالية المدرعة، وضحى بنفسه اثناء عمليات تحرير نينوى في الساحل الأيمن.

طريق دستورية
ولأن المدينة تسكنها قوميات وطوائف متعددة، فقد استثمر داعش في هذا التنوع، لإحداث الفتنة الطائفية بين أبنائها، ما يدفع ‎ المتحدث الرسمي لمؤسسة إنقاذ التركمان، ‎ مهدي سعدون جعفر، في حديثه لـ«الصباح» الى القول ان «مصير محافظة الموصل واستقرارها في مرحلة ما بعد داعش يكمنان باستقرار وضع مكوناتها المتنوعة» منطلقا من ان «افضل طريقة دستورية وعملية للحفاظ على التنوّع الاجتماعي فيها هي انشاء إقليم من بعض أجزاء المحافظـة من خلال استحداث ثلاث محافظات وهي محافظات تلعفـــر (ذات أغلبيـة تركمانيـــة)، سـهل نينــوى (للشبك والمسيحيين)، سـنجار (للايزيديين) لتكون محافظات عراقيـة اتحادية، تشكّل معاً، إقليماً عابراً للطائفية والعرقيــة والأثنيـة». وبغض النظر عمن هو أقلية او أكثرية في تلعفر، فان جعفر يرى ان «مصطلح (الأقلية) لا يعني الانتقاص من المكون عدداً، وإنما الانتماء للأقلية غالبا ما يكون امتيازاً يكفل حقوقا لا تتمتع بها الأغلبية. نطالب بإرجاع مقعد الكوتا للتركمان في بغداد». ويعرّج الدكتور محسن حسن حسين، الأكاديمي بجامعة كربلاء، المهجّر من تلعفر في حديثه لـ«الصباح» على تاريخ أحداث المدينة منذ 2014، فيقول ان «تنظيم داعش حاول إحداث التصدع والتفكك في النسيج الاجتماعي خلال السنوات ما بين 2004 الى 2014 بسبب الجرائم الكبيرة التي
ارتكبها». وينظر حسين الى مرحلة ما بعد التحرير باعتبارها «مشروع أمل»، داعيا الى «اتخاذ خطوات تعجّل من عودة أهالي تلعفر الى مدينتهم، وذلك بالقصاص العادل من الإرهابيين.
 


   

المزيد من المواضيع