منها التبرع بالأموال والدم ومساعدة المحتاجين والفقراء مبادرات إنسانية يشهدها شهر محرم الحرام

   


11/10/2017 12:00 صباحا

بغداد/ فجر محمد
تواظب الاربعينية ميساء مهدي كلما اقترب شهر محرم على الاحتفاظ بصندوقين صغيرين تجمع فيهما مبلغا من المال، احدهما تخصصه لاغراض الطبخ الحسيني فيما تخصص الاخر موردا للمحتاجين، وتقول مهدي بوجه مستبشر:»ان هذه الايام الحرم تفرض علينا ان نسعى الى احلال التكافل الاجتماعي، ومد يد العون للمحتاجين، لاسيما انها تتزامن مع ذكرى استشهاد الامام الحسين (ع) وثورته العظيمة التي جاءت من اجل  احلال العدل والمساواة في الارض، وعلى كل ميسوري الحال ان يمدوا يد العون لاخوتهم المحتاجين»
الباحثة في شؤون المجتمع والاكاديمية ندى العابدي ترى»ان واقعة الطف تستنفر العقل الجمعي للانسان، كي يقف امامها طويلا ليجد سبيلا لاعلان تضامنه واحتجاجه على ظلم آل بيت رسول الله، وهي تظاهرة وجدانية اخذت في الاونة الاخيرة منحى اخر لتتضمن  المبادرات الانسانية التي سعى الى القيام بها افراد المجتمع تزامنا مع عاشوراء التي تعد واحدة من حركات التنمية البشرية في العالم، وهي في نفس الوقت تعطي اشارة كبيرة وواضحة المعاني الى قدرة الامام الحسين على التأثير في هذا الكم الهائل من الافراد، وهذه المظاهر هي رسالة واضحة للعالم على قدرة هذا الامام الثائر على كسب قلوب وعقول هؤلاء الافراد، ومحاولة الاقتداء به لكونه خرج للاصلاح ورد المظالم 
عن الناس.» 
مشيرة الى ان « هناك مساعي من الباحثين في شؤون المجتمع الى تبيان اهمية الثورة الحسينية وازالة التعتيم والغموض عنها من خلال الخوض في مبادئها الحقيقية، وتزامنا مع كل هذا فلقد قام مجموعة من الشباب فضلا عن كبار السن برفض المظاهر غير السليمة التي حاول البعض الترويج لها والصاقها بالثورة الحسينية، وتعرضهم  للانتقادات الواسعة التي طالتهم كأفراد، لذا حاولوا ايصال الصورة الانسانية والمشرقة لمبادئ الثورة الحسينية، ويعد العراق ساحة رحبة لتطبيق مبادئ الامام الحسين التي هدفت  الى تحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية، ورفض الفساد وهذا مايجب ان يقتدي به افراد المجتمع، لان الحسين خرج ممثلا لارادة الشعوب الرافضة للظلم والاضطهاد والاستعباد، ومقولة كل يوم عاشوراء وكل ارض كربلاء لها مدلولات مهمة وكبيرة وتعني ان الظلم والاضطهاد موجودان في بقاع الارض، لوجود حالة الصراع بين الخير والشر، لذا لابد ان تكون هناك قراءة صحيحة لثورة الامام الحسين واستثمار ايام عاشوراء لتغيير المظاهر غير اللائقة بهذه المناسبة العظيمة وان نحل محلها مظاهر انسانية كفيلة بايصال رسالة هذا القائد الثائر الذي خرج لطلب الاصلاح.»


التبرع بالاموال
بابتسامة واثقة تجلس الحاجة الستينية ام جلال وتضع الاموال التي خصصتها كل عام لاحياء ذكرى عاشوراء بطهي مختلف انواع الاطعمة وتوزيعها على افراد منطقتها السكنية، غير انها هذا العام فضلت ان تتبرع بها لافراد الجيش والحشد الشعبي المرابضين على حدود البلاد وفي ساحات المعارك، وتقول ام جلال بصوت مليء بالثقة:»اعتدت كل عام على اخذ قدر من المال من اولادي، ووضعه في صندوق الحسين الذي وضعناه في دارنا كي نتمكن من طهو الطعام في هذا المناسبة الجليلة وتوزيعه على افراد منطقتنا السكنية والمحتاجين ايضا، لكنني هذا العام استعضت عن هذا التقليد بشيء اراه هو التجسيد الصحيح لاحياء هذه الذكرى، اذ طلبت من ولدي البكر ان يقوم بمنح تلك الاموال الى افراد الجيش والحشد الشعبي وشراء ما يحتاجونه من لوازم وتوفير الطعام لهم، لانهم الاحق كونهم يدافعون عن البلاد ويضحون بارواحهم من اجلها ومن اجلنا جميعا».
الباحث الاسلامي السيد محمد الكوفي يرى ان»الله في كتابه الكريم قد اكد على مبدأ التعاون انطلاقا من الاية الكريمة(وتعاونوا على البر والتقوى ولاتعاونوا على الاثم والعدوان)، لذلك ظهرت خلال الاعوام المنصرمة وهذا العام ايضا المبادرات الانسانية التي  تكمل مسيرة سيد الشهداء الامام الحسين وهذا يعد نوعا من التكافل الاجتماعي، الذي حث عليه الدين الاسلامي لاسيما ان ثورة الامام الحسين كانت تهدف الى رفع الظلم عن الناس واحلال العدل، ومساعدة المحتاجين وكل من يستحق المساعدة».


زيارة الجرحى 
« ان عاشوراء هي ليست فقط ذكرى نحييها بالبكاء والمظاهر الحزينة، بل هي مناسبة مهمة كي نؤكد على التعاضد والتآخي بين افراد المجتمع ونثمن من لهم دور كبير في عيشنا بكرامة»، بهذه العبارة ابتدأ الطالب الجامعي كمال عاصم حديثه وتابع أننا»كلنا نعلم ان هناك عددا كبيرا من جرحى القوات الامنية والحشد الشعبي الراقدين في المستشفيات بعد ان تعرضوا الى اصابات بليغة اثناء حربهم ضد قوى الارهاب الداعشي، لذا كان لابد ان نزورهم ونعبر لهم عن تقديرنا وعرفاننا بجهودهم وتضحياتهم الكبيرة، لاننا تعلمنا من الثورة الحسينية تثمين الابطال الذين دافعوا ويدافعون عن ارضنا، فكم من جندي يرقد الان في ردهات المستشفيات وهو يئن ويتوجع من تلك الاصابة التي فتكت به وهو يدافع عن شرف الوطن ضد قوى الظلام التي حاولت تدنيس اراضينا، لذلك كان لابد ان نتواصل مع هؤلاء الابطال كي يشعروا اننا مدينون لهم بحياتنا، لذلك سعينا الى التبرع لهم بدمائنا ردا للجميل فضلا عن تفقدنا لعائلاتهم ومحاولة مساعدتها قدر المستطاع».
الباحثة في شؤون المجتمع والاكاديمية تلفت الى « ان هناك شبابا اخرين اختاروا  ان يتواصلوا مع الجرحى و عوائل شهداء القوات الامنية والحشد الشعبي تكريما لمن اختاروا ان يضحوا بحياتهم من اجل الوطن، وتثمينا لنضالهم ضد قوى الارهاب الظلامية، واخرين فضلوا ان يتبرعوا بالدم لاجل جرحى القوات الامنية والحشد الشعبي ومختلف الفصائل التي تدافع عن البلاد في حربه ضد الارهاب، وان الايمان بالقضية الحسينية لايقتصر على المسلمين وحسب بل مختلف الطوائف والاديان والمذاهب في بقاع الارض جميعا، لقد كان الحسين ومازال ملهما ونبراسا للثائرين في كل العالم، لذا لابد ان يكون هناك اقتداء صحيح بهذه الثورة وان يعود الناس لاسيما المسلمين الى فطرتهم الحقيقية ونزعتهم الى الخير ومساعدة الاخرين ونبذ مختلف الظواهر المتخلفة التي توصل رسالة خاطئة عن الاسلام الذي هو دين التسامح والعدل والخير.»
ويؤكد الباحث الاسلامي»ان احياء ذكرى عاشوراء لا تقتصر على البكاء والنواح وارتداء السواد، بل يجب ان تكون هناك قيم انسانية تلهم الاخرين، وعلى اصحاب المواكب الحسينية ان يبادروا هم ايضا في هكذا التفاتات انسانية مع الالتزام بالطقوس الحسينية التي ورثناها عن ابائنا و اجدادنا، ولكن يجب ان تضاف اليها مبادرات اخرى كفيلة بان يسود المجتمع الألفة والمحبة والترابط».


تفقد النازحين
تعد العشرينية رجاء جابر مجموعة من الصناديق المتوسطة الحجم وتضع فيها مختلف الاحتياجات والمستلزمات الضرورية من مواد غذائية واشياء اخرى، من الممكن ان ينتفع بها النازحون الذين ينتشرون في مناطق متعددة من البلاد بداخل مخيمات تتوزع على اطراف المدن، وتقول رجاء:»منذ ان بدأت عمليات تحرير مدن بلادنا من دنس «داعش» الارهابي، ونحن نرى موجات من نزوح للمواطنين الابرياء الذين لاذنب لهم سوى ان هؤلاء الارهابيين سيطروا على مناطقهم مما اضطرهم الى الهروب منها، وبعد انتشار المخيمات التي تأويهم كان لابد لنا من وقفة انسانية حقيقية لتخفيف ويلاتهم ومساعدتهم ولو بجزء يسير، لذلك قمت بمساعدة عائلتي وبعض الاصدقاء الى وضع احتياجات ومستلزمات مختلفة من الممكن ان ينتفعوا بها، لاسيما الاطعمة التي اعتدنا توزيعها خلال شهر محرم، فعوضا عن اعطائها لميسوري الحال ارى ان هؤلاء هم الأحق بها».
وتشير العابدي الى»هناك من اختار ان يساعد النازحين ويوفر لهم المأكل والمشرب في هذه الايام، وهناك من تطوع لزرع الاشجار على الطريق الحسيني وهذا ما لمسناه في الاعوام المنصرمة، فضلا عن توفير اموال المواكب الحسينية ورفد الفقراء بها لان الحسين ليس بحاجة الى بذخ الاموال بقدرحاجته الى احلال العدل والمساواة بين الجميع».
ويبين رئيس مركز دار السلام العراقي الدكتور سامي شاتي ان»المبادرات التكافلية الاجتماعية تستند دائما على ارضية ثقافية واجتماعية وهذا ما يتوفر في بلادنا مقارنة بالبلدان الاخرى، اذ ان المناسبات الدينية هي المجال الرحب والواسع كي تظهر بوادر التعاون بين افراد المجتمع ككل، وقد لوحظ في السنوات المنصرمة ظهور حالة وعي مجتمعي خصوصا في ايام محرم من خلال مساعدة المحتاجين والفقراء، وهذا ماحدث في مدينة الناصرية اذ عملت مجموعة من المواكب الحسينية على جمع مبالغ وزعت على عوائل الفقراء والمحتاجين، مما لايقبل الشك ان الظرف الذي تعرضت له البلاد من الهجوم الداعشي قد ادى الى زيادة الوعي الاجتماعي والاحساس بالمسؤولية، من خلال الاهتمام بالقضايا التي تمس المجتمع بشكل كبير، وهنا لابد ان يكون دور كبير للمؤسسات الدينية ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الاكاديمية فضلا عن الاعلام كي يعمموا هذه المبادرات الانسانية ويحثوا عليها افراد المجتمع بشكل كبير، وكلنا تابعنا كيف احتضنت المواكب الحسينية النازحين وكيف كانت تؤمن الاحتياجات الضرورية لافراد الجيش والحشد الشعبي، وهذا يعني ان المجتمع قد توجه الى التركيز على القضايا الاغاثية والانسانية التي تمس الجميع».
   

المزيد من المواضيع