مقدمة عن الشعوبية في التاريخ العباسي

   


15/1/2013 12:00 صباحا

اختلفت الآراء بشأنها
د. نجاح هادي كبة
الشعوبية كلمة منسوبة الى الشعب والشعب وحده وهي نسب اكبر من القبيلة ويرى د. عمر فوزي في كتابه مباحث في الحركة الشعوبية، ص-37:ان الشعوبية قبيلة كبيرة او اتحاد كونفودرالي قبلي، ولكنه يستدرك فيقول: اذا جاز لنا هذا التعبير، ويستند د. عمر فوزي في ذلك الى قول الطبري في تفسير قوله تعالى: "وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا" اي وجعلناكم متناسبين فبعضكم يناسب بعضا نسبا بعيدا وبعضكم يناسب بعضا نسبا قريبا،
الا ان هذا التعريف للشعوبية لا يصمد امام قول الرسول (ص) "لا فضل لعربي على اعجمي الا بالتقوى"، فالعرب والاعاجم جمعتهم التقوى امة واحدة هي الامة الاسلامية وبذلك فان الاسلام نهى عن العصبية، يقول الرسول (ص) "ليس منا من دعا الى عصبية"، بهذا المفهوم الانساني قاس الرسول (ص) العلاقات بين الناس ولم يقسها بوحدة القبيلة سواء اكان ذلك على مستوى الشعب ام الامة، لأن الاسلام دين سماوي والدين السماوي ينص على وحدة البشر، بهذا المفهوم فالحضارة في الفكر الاسلامي سواء اكانت اصيلة ام مشتقة هي عالمية فلقد انصهرت الحضارة اليونانية في الحضارة العربية الاسلامية لاسيما في العصر العباسي كما انصهرت حضارة الروم والفرس والهنود في الحضارة العربية الاسلامية ونتج عن هذا الانصهار حضارات جديدة خدمت الانسانية فبلورت الفكر الانساني بوحدة ثقافية نستطيع ان نطلق عليها بمفهومنا المعاصر "العولمة" بمفهومها الثقافي لا السياسي او نطلق عليها اسم العالمية فالامم والشعوب تتصارع في افكارها، لكن الحقيقة الماثلة للعيان ان نتيجة هذا الصراع هو للاقوى وليس المقصود بكلمة الاقوى الاقوى عسكريا، بل المقصود بذلك اقوى فكريا وثقافيا وعلميا، وفي ضور هذه الحقيقة نستطيع ان نفسر ما اصطلح عليه بالشعوبية بأنها نتيجة حتمية لتبلور حضارتين هما الحضارة العربية الاسلامية والحضارة الاعجمية لاسيما الفارسية القديمة وكانت نتيجة الغلبة للحضارة العربية الاسلامية، لانها امتلكت زمام التفوق ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا وحركت التاريخ نحو التقدم، فالتناقض في الافكار يؤدي الى الصراع والصراع يؤدي الى التطور والتغيير.
والسؤال الذي يطرح نفسه هل ما اصطلح عليه بالشعوبية يخفي وراءه حزبا سياسيا يحمل معولا هداما لحضارة العرب المشرقة؟.
اننا نلمس من خلال قراءتنا المتواضعة عن الشعوبية، ان اغلب المؤيدين لهذا التيار لم يستطيعوا ان يثبتوا لنا وجود احزاب او حزب سياسي معين يقود او يتخفى وراء الشعوبية او ما اصطلح عليه بالشعوبية فأغلب الذين كتبوا عن الشعوبية لم يقدموا لنا كقراء تحديدا معينا لحزب سياسي ذي نظام داخلي معين، كما لم يقدموا لنا برنامج عمل هذا الحزب، الا انهم تهربا من المسؤولية حاولوا تحويل ما اصطلح عليه بالشعوبية الى احزاب دينية او فرق اسلامية بوصفها حاملة شعار الشعوبية لما سموا بالروافض ومنهم الاسماعيلية والكيسانية والشيعة وغيرهم ويضربون امثلة لتغلغل ما اصطلح عليه بالشعوبية كوجود العقائد الباطنية عند هذه الفرق، وهو ان يضمروا غير ما يظهرون من الايمان او ما يسمى بالتقية، او ايمان هذه الفرق بفكرة التناسخ وتأليه الامة لاآل البيت عليهم السلام كما يزعمون.
ان هذا المجال وهو المجال الديني لا يصلح ان يكون عنوانا للشعوبية فالشيعة مثلا لاسيما الامامية يرون ان الائمة الاثني عشر يشترط فيهم ان يكونوا عربا بل ومن اصل عربي، ان ما ينسب الى التشيع من وجود شعر متهتك لدى دعبل الخزاعي وديك الجن وغيرهما من شعراء الشيعة، لا علاقة لذلك بالفكر الشيعي فالتهتك والمجون طريق كثير من الشعراء العرب وغير العرب ثم ان الايمان بالباطن والظاهر مسألة عالجتها اديان قديمة كالمسيحية التي رأت ان المسيح روح الله، لذلك لا يمكن الاطمئنان الى القول ان هذه الفرق الدينية تمت الى ما اصطلح عليه بالشعوبية لذلك عدت الشعوبية كما يرى خير الله طلفاح بانها فكرة وعقيدة سياسية، والفكرة والعقيدة معناها المبدأ وهي تختلف عن الحزب السياسي، فلكل حزب سياسي فكرة وعقيدة ولكن ليس بالضرورة ان تكون كل فكرة او عقيدة حزبا سياسيا وقد عدت الافكار الخرمية والمزدكية والزاردشتية وثورة الزنج والسبئية وغيرها من الافكار المماثلة والمنافية لروح العقيدة الاسلامية بانها شعوبية فالمزدكية تؤمن بافكار تشاؤمية وترى ضرورة فناء البشر لكثرة المفاسد لذلك حرموا الزواج واباحوا اللواط  (ان صح القول).
وعلى هذا القياس تعد افكار قوم لوط شعوبية! وهو امر مناف للحقيقة وان من المستشرقين والمفكرين من يرى ان هناك تشويها لكثير من الحركات الدينية وغير الدينية في العصر العباسي وان تهمة الشعوبية خير طريق للدفاع عن الخلافة العباسية والقضاء على كل حركة مخالفة لطريقة نظام الحكم العباسي، ويرى بعض المستشرقين، مثلا في الحشيشية الاسماعيلية بانها تشبه في منطلقاتها وافكارها الجمعيات السرية الثورية في ايطاليا في القرن التاسع عشر.
يقول احمد فرج الله عن الفرق الدينية ولقد اثار استغرابي مما وجدت من اضطراب كبير فيما ينقله المؤلفون عن مواقف تلك الفرق، وما ينسبونها لها، حتى انك لا تستطيع ان تكون ثورة صادقة او قريبة من الصدق عن الفرقة التي تريد دراستها، استنادا الى ما اورده عنها اولئك المؤلفون، فهذه الصورة تفلت من يديك كلما انتقلت من مؤلف لآخر، وكأن الامر يتعلق بأساطير، (على هامش الفرق الاسلامية، دار الشؤون، بغداد، 2005،ط1،ص:7) ويقول الدكتور عادل جاسم البياتي: "يوشك الدارسون المحدثون في حقل الثقافة التراثية ان يجعلوا من الشعوبية (حركة) وان لم تبرز منهم حركة باسمهم وان كانت الحركات العنصرية والصراعات العقائدية لا تبتعد عنهم، وتذبذبت الصفة بين ان تكون (نزعة) او (عقيدة) ثم خرجت الابحاث بالنتيجة نفسها على ان الشعوبية (نزعة) اكثر منها (عقيدة)، اما القدماء فالجاحظ يجعلها نحلة من النحل مشبها اياها بما انتشر في عصره من معتقدات ومقولات طرحتها فرق الحادية وجماعات فوضوية (وقائع الندوة القومية لمواجهة الدس الشعوبي،ج1، هيئة كتابة التاريخ، بغداد، ص:392).
وزاد بعضهم ووسع مفهوم الشعوبية لتشمل الاسبان المسيحيين الذين اخرجوا العرب من الاندلس ومن المؤسف ان بعضهم يرى ان اللكنة الاعجمية على لسان الاعاجم بمن تعلم العربية نوعا من الشعوبية لانهم لايتجاوزونها ونسي هؤلاء الباحثون ان اللغة عند كل الشعوب جزء من شخصيتها ويكفي الاعاجم فخرا ان تعلموا لغة الله "العربية" وادوا الفرائض الدينية بها.
ومن خلال ما تقدم لا نستطيع ان نحدد ان هناك حركة شعوبية لاختلاط الافكار الدينية بالافكار السياسية تبعا لتطور التفكير الديني والسياسي في العصر العباسي بخاصة، ولان الفكر الديني في العصر العباسي اصبح متأثرا بفلسفات قديمة كالفلسفة اليونانية والفارسية، ان الاختلاط الحضاري لابد وان تظهر فيه مشكلات انفعالية، فمن حق كل انسان ان يفتخر بقومه او بأصله، لذلك علينا ان نأخذ بالحسبان ان التفاخر بين الاقوام امر طبيعي فمن حق الفارسي مثلا ان يفتخر بحضارته ومن حق العربي او الالماني او الروسي او الهندي ان يفتخر بحضارته وهذا الفخر هو نوع من الصراع الحضاري، علينا الا نوظفه بفكرة الشعوبية، ان العصبية العرقية موجودة عند كل الامم قديما وحديثا، فقد حدثت العصبية العرقية في الاندلس بين الاسبان والعرب، كما حدثت في المشرق بين العرب والفرس، فعلينا ان لا نجعل هذه العصبية العرقية حركة سياسية او تيارا فكريا هداما للتاريخ العربي الاسلامي، في وقت احوج ما نكون فيه نحن العرب ان نكون متحدين تجاه مختلف التحديات، ان ما اصطلح عليه بالشعوبية ما هو الا عملية للتطور الفكري في المجتمع العربي الاسلامي ولنا في القرآن الكريم اسوة حسنة، يقول عز من قائل: " (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ)، لذلك سطع الفكر العربي الاسلامي في هذا الصراع الحضاري لانه ملك مقومات وجوده وكان له اثر في تطبيع العلاقات بين الشعوب والامم، اذ دان الجميع لخالق جبار هو الله سبحانه وتعالى، فالناس سواسية كاسنان المشط فكلهم لآدم وآدم من تراب، قال بشار بن برد:
الا ايها السائلي جاهدا
ليعرفني انا انف الكرم
نمت في الكرام بني عامر
واصلي قريش العجم
فبشار بن برد في هذه الابيات كان رمزا لانصهار الحضارة الفارسية القديمة في الحضارة العربية.
 وهذا التفسير اراه –كقارئ- يتماشى وضرورة الانسجام بين ابناء الامة العربية والاسلامية لمواجهة التحديات في وقت تشير فيه كل الدلائل الى ان هناك صراعا حضاريا في العالم يسمى صراع الحضارات للاتجاه نحو العولمة بجميع مفاهيمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الضار منها والنافع، فيجب ان يكــون للامة العربيــة موقف لتصحيح الخطأ في بناء عالم انساني قائم على اسس فكرية صحيحة، وعلينا ان نفهـم اسباب ظهور الشعــوبية في العصر العباسي بعد تحليل علمي لطبيعة الحكــم العباسي وطبيعـة المجتمع آنذاك فالحاضـر ابن الماضي في التعـامل بين الاعــراق والاقليات.

   

المزيد من المواضيع