تقنيات الاستنساخ .. سلاح البشرية الواعد لمحاربة الأمراض واستبدال الأعضاء

   


04/7/2013 12:00 صباحا

تقدم مذهل في علم الهندسة الوراثية
عدنان ابو زيد
يبعث استنساخ علماء من مركز (ريكن للموارد الحيوية) الاسبوع الماضي فأراً "مانحاً" من قطرة دم واحدة، الآمال على مصراعيها في تحسين تقنيات القضاء على الامراض، وإعادة الاحياء المنقرضة الى الحياة، لاسيما إن الفأرة عاشت عمرها الافتراضي الطبيعي واستطاعت الإنجاب.
 وكان العلماء استخدموا خلايا مانحة مختلفة طوال الفترة الماضية، بينها خلايا الدم البيضاء في الغدد الليمفاوية والكبد، و الخلايا في الدورة الدموية في سعي دؤوب للتوصل الى التقنيات الافضل.
واستخدم العلماء في استنساخ الفأرة، التقنية نفسها التي استثمرها الباحثون في استنساخ النعجة دوللي في أدنبره باسكتلندا بواسطة نقل نواة خلية جسدية، من خلية جسم بالغ، مثل خلية دم أو جلد، إلى بويضة غير مخصبة أزيلت منها نواتها.وتزامناً مع خبر الفأرة المستنسخة، قال علماء أميركيون إن إنتاج أجنة في مرحلة أولى من النمو، يمثل خطوة مهمة على طريق الاستنساخ البشري بعد النجاح في توليد خلايا جذعية باستخدام الاجنة المستنسخة كمنتج، بغية تهجين عضلة قلب وأنسجة حيوية وحتى عظام بحسب الدورية العلمية " cell".
 تحفظات فقهية وعلمية

ولان الهندسة الوراثية تعني التدخل المباشر بالتركيبة الفطرية للمخلوقات الحية، فإن هذا التدخل يثير عدداً من الأسئلة والتحفظات الفقهية والعلمية، فبعض الفقهاء يعتبرونه تغييراً في الخَلْق منهياً عنه شرعاً، وبعض علماء البيولوجيا يخشون من نتائجه المحتملة التي قد تهدد الحياة كلها على سطح الأرض.
أن أولى الصعوبات والاحتجاجات على تقنيات الاستنساخ يبديها علماء اجتماع ومصلحون اجتماعيون ورجال دين يثيرون مجموعة من القضايا الأخلاقية المعقدة، على رغم ادراكهم لحقيقة ان التجارب في جزء منها، ستكون مفيدة طبيا للكثير من البشر والحيوانات على حد سواء.
 فلدى هؤلاء جميعا اعتراض على استخدام الاجنة البشرية في التجارب الطبية لاسيما في مختبرات الهندسة الوراثية باعتباره أمرا غير اخلاقي في جميع صوره وحالاته.
ولهذا السبب فكّر علماء الهندسة الوراثية زمناً طويلاً في ابتكار مصادر أخرى للخلايا الجذعية قد تكون أيسر وارخص واقل إثارة للجدل.
لكن الباحث الاجتماعي وليد القريشي المقيم في بروكسيل في بلجيكا، يتحدث الى" الصباح " عن عقم الاحتجاجات التي لم تسفر عن قهر التجارب الهندسية الوراثية منذ الضجة الأخلاقية التي اثارتها ولادة لويز براون، أول طفل أنابيب العام 1978.
ولم يقتصر الجدل الخلاقي الذي اثارته طفل الانابيب واستنساخ النعجة دوللي في العام 1996، على شعب أو دين معين، بل عارضه مسلمون ومسيحيون ويهود وهندوس، وفي الشرق مثلما الغرب، بسبب الخشية من ان يؤدي الايغال في التجارب عن مشاريع هندسة وراثية تفقد البشر قيمته، والحياة تلقائيتها، وقوانينها الطبيعية.
وأفتى مجمع الفقه الإسلامي، منذ العام 2001، بتحريم أي طريقة للاستنساخ البشري تؤدي إلى التكاثر البشري.
 كما حرّم الحالات التي تسفر عن عامل "غريب" على العلاقة بين الرجل والمرأة سواء أكان رحماً أو بيضة أم حيواناً منوياً أم خلية جسدية للاستنساخ.
وفي الولايات المتحدة طلب الرئيس الاميركي جورج بوش في العام 2002 من الكونغرس منع كل اشكال استنساخ (تخليق) البشر، كما حجب التمويل الفديرالي عن الابحاث التي تنطوي على اتلاف الأجنة.
وفي اوروبا تحرّم اربعة بلدان هي النمسا والمانيا وفرنسا وايرلندا، كل ابحاث الأجنة، في حين ان بلدانا اخرى تسمح بها بدرجات متفاوتة.
لكن في نفس الوقت، اتاحت الاستفادة من تقنيات الاستنساخ والهندسة الوراثية في مجالات بحوث الهندسة الوراثية، الفرص للقضاء على الامراض، وسائر الأحياء الدقيقة والنبات و الحيوان في حدود الضوابط الشرعية بما يحقق المصالح ويدرأ المفاسد.
لكن الباحث الاسلامي حسين الياسري المقيم في امستردام في هولندا، يشير الى ضرورة "فهم ما يترتب من انتاج في الاستنساخ " كما حدث في النعجة دوللي، فبحسب الياسري، فان " المستنسخ الجديد ليس نسخة طبق الأصل، لان بقايا نووية تظل موجودة في بيضة الأم المنزوعة النواة تؤثر في تغيير الصفات الموروثة من الخلية الجسدية ".
 واعتبر المؤتمر الإسلامي الدولي في مصر العام 2011، الاستنساخ البشري، "قضية ملحة تتطلب حكما شرعيا لآثارها على الفرد والمجتمع".
ويقول الباحث الاسلامي الدكتور عبد الهادي الحكيم ان غالبية الفقهاء "مالت إلى القول بعدم مشروعية الاستنساخ البشري".
واستشهد شيخ الازهر محمد سيد طنطاوي بالآيتين الكريمتين "هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء" و"أنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى"، معتبرا ان أي عملية تخليق عدا ذلك فهي حرام.
 كما افتى الشيخ جواد التبريزي في إيران بعدم جواز الاستنساخ البشري " لأن التمايز بين أبناء البشر ضرورة للمجتمعات الانسانية اقتضتها حكمة اللّه سبحانه، بينما الاستنساخ البشري يوجب اختلال النظام العام".
والاعتراض الاحدث على الاستنساخ، صدر قبل اشهر من الشيخ نصر فريد مفتي الديار المصرية يرد فيه على إعلان عالم ايطالي اعتبر أن "نظرية الاستنساخ البشري الكامل أصبحت حقيقة واقعة وأن العلم لن يتوقف عند هذا الحد"، حيث افاد فريد إن " الاستنساخ الكلي في النفس البشرية أمر غير جائز شرعاً من خلال العرض على الكتاب والسنة وعلى كل القواعد العامة والخاصة".
 
معالجة الأمراض واستبدال الأعضاء

لكن الهندسة الوراثية لا تعكف في كل تجاربها في الاستنساخ على خلق نسخ مماثلة بشرية وحيوانية، اذ ان تطبيقات الاستنساخ تتعدى ذلك الى اغراض وغايات تفيد في معالجة العلل وتنشئة اعضاء بشرية كبدائل للأعضاء التالفة والمتضررة القلب والكبد والحبل الشوكي والكلية وما الى ذلك، بل ان علماء يأملون في توظيف خلايا الاجنة الجذعية لإعادة الابصار، كما ان شركة استرالية تطوّر عمليات استنساخ الخنازير، تقول ان ذلك سيسهم في انقاذ حياة آلاف من البشر يموتون سنوياً بسبب أعضائهم المعطوبة.
وفي هذا الصدد تمكن أطباء ايطاليون من تخليق أول مهبل باستخدام التقنية الحيوية، من خلال مساعدة مريضتين ولدتا من دون مهبلين بسبب تشوهات خلقية، من خلال استخدام خلايا جذعية أخذت من جسديهما.
وتجنبا لإشكاليات سياسية و دينية حول الخلايا الجذعية الجنينية التي تعوق مجالات البحث، استخدم علماء بريطانيون العام 2010، لأول مرة خلايا جذعية مأخوذة من الجلد البشري في تخليق خلايا كبد سليمة تم تخليقها على نفس الدرجة من الجودة تماما كما لو كانوا يستخدمون خلايا جذعيه جنينية.
وقبل ذلك بسنة في العام 2009 نجح فريق طبي بجامعة مينسوتا بالولايات المتحدة الاميركية في تخليق قلب بشري في المعمل ومع بدء العضو الاصطناعي في الخفقان اعتبرها العلماء خطوة واعدة في مشروع "ازرع قلبك بنفسك" الذي تتبناه الجامعة ويمهد الطريق لزراعة أعضاء أخرى حيوية كالكبد والرئتين والكلى.
ولم يعد سرا اليوم ان المختبرات تحفل بالكثير من الاعضاء البشرية المصنعة، بعدما اكتشف علماء أكثر من عشرات الطرق لنمو هذه الأعضاء.
بل ان علماء شرعوا في زرع هذه الاعضاء مثل المثانة ومجرى البول والقصبة الهوائية في مرضى خلال تجارب سريرية.
 
المخلوقات المنقرضة

ولعل الانجاز الاكبر الذي يأمل العلماء تحقيقه من تطوير عمليات الاستنساخ، استعادة المخلوقات المنقرضة.
وكانت اولى التجارب في هذا الصدد، حين قام عالم الأحياء الياباني أتيشو أوجارا بتجميد خمسة فئران في درجة 22 تحت الصفر منذ خمسة عشر عاما، ليعمل زملائه باستخلاص عينات من سائلها المنوي المجمّد وحقنه في عدد من إناث الفئران الحية. وكانت النتيجة أن فأرة واحدة، من بين كل خمس، حملت بطريقة اصطناعية وأنجبت بطريقة طبيعية من أب ميت.
ومنذ تلك اللحظة، وربما قبلها، شرع العلماء في التفكير في نسخ حيوانات منقرضة حفظت الظروف الجوية اجسادها مثل اسود منقرضة، وديناصورات وما الى ذلك.
وأنعش العثور على حيوان ماموث مدفون منذ آلاف السنين تحت ثلوج سيبيريا الأمل في امكانية اعادة نسخ منه الى الحياة عبر سحْب عيّنة سليمة من سائله المنوي و حقنها في رحم أنثى فيل أفريقية ناضجة من نفس الفصيلة، او عبر استنساخه كاملا من خلال استخلاص شفرته الوراثية السليمة أو حمضه النووي DNA كما في النعجة دوللي.
و للماموث قصة اخرى مع تجارب الهندسة الوراثية، فحين عثر علماء، على دم مُسال من ماموث مات قبل عشرة آلاف عام اقتربت آمالهم أكثر من أي وقت مضى في اعادة نسخ منه الى الحياة.
ومما يشجع على ذلك ان الدم المسال حُفِظ بين ثنايا الجليد بصورة جيدة الى الان كما كانت الأنسجة العضلية بلونها الأحمر القاتم وكأنها توفيت حديثاً.
كما يعكف علماء الى الان في محاولاتهم استنساخ نمر انقرض منذ نحو مائتي عام في استراليا.
كما سعى مهندسو الوراثة الى استعادة الفهد الإيراني الذي انقرض قبل أربعين عاما فقط عبر استخلاص شفرته الوراثية الموجودة في عظامه التي يتداولها الناس الى الان لأغراض طبية.
ويحسب العلماء انه في حالة النجاح في اعادة بعض الاحياء المنقرضة الى الحياة فان ذلك سيفتح الباب عريضا،لاستنساخ بشر، لاسيما علماء ومفكرون وعظماء.
ويذهب الخيال العلمي في هذا الصدد الى انه سيأتي اليوم الذي يستعيد فيه العالم رجلا مثل اينشتاين او نيوتن او غيرهم من المشاهير والعلماء والزعماء.
 وفي العام 2009، كانت الافكار التي يتداولها الخيال العلمي حول رؤية البشر للديناصورات مرة اخرى، تقترب من الحقيقة حين تمكن فريق من الباحثين في جامعة كالورينا الشمالية من الحصول على بروتين من بقايا الديناصور الأحفوري، ما يفسح الآمال لإعادة استنساخ الديناصور من جديد.
وقالت مجلة العلوم الأميركية "أن الباحثين تمكنوا في عام 2005 و2007 من استخراج بروتينات وأنسجة رخوة من أحد أنواع الديناصورات، الذي يعود إلى ما قبل 68 مليون عام لكن الأحماض الامينية المكتشفة هذه المرة محدودة جداً، لذلك لا يمكن المبادرة بسرعة لإعادة استنساخ الديناصور، ولكن الأهم من هذا هو اكتشاف طريقة لاستخراج البروتينات من هذه الأحماض الامينية".

تقنية واعدة

وعلم الهنـدسة الوراثيـة علـم يهتـم بدراسة التركيـب الوراثي للمخلوقات الحية، من نبات وحيوان وإنسان، بهدف معرفة القـوانين التي تتحكم بالصفات الوراثية لهذه المخلوقات، على أمل التدخل في تلك الصفات تدخلاً إيجابياً، وتعديلها أو إصلاح العيوب التي تطرأ عليها.
وفي الغالب تشتمل تقنية الاستنساخ في وضع البيانات الوراثية لخلايا الجلد من حيوان بالغ داخل بويضة منزوعة الحمض النووي منها، وعبر الشحنات الكهربائية تُستفز البويضة على النمو التدريجي إلى جنين.
وتعتمد هذه التقنية على اخذ العينة نفسها من خلايا الجلد وتحويلها باستخدام بروتينات معينة إلى خلايا جذعية "محفّزة".
وتفضيل العلماء للخلايا الجذعية الجنينية يعود الى كونها الوحيدة القادرة على الانقسام إلى مختلف أنواع الخلايا (200 نوع) والتكاثر بصورة لا متناهية، مانحة فرصا واعدة للعلاجات، لا سيما في ما يخص مرض باركنسون والتصلب اللويحي وأمراض القلب والنخاع الشوكي.
وينقل الباحثون في العادة نواة خلايا الجلد الحاوية على الحمض النووي "دي إنه إيه" من صغير في شهره الثامن على سبيل المثال، إلى بويضات بشرية من واهبات.
والخلايا الجذعية Stem cells، هي خلايا غير متخصصة، مما يسمح لها بأن تعمل كجهاز إصلاحي للجسم، باستبدال خلايا أخرى عاطلة و الحفاظ على وظيفة الأعضاء الجسمية.
ويعتقد الخبراء أن الخلايا الجذعية بإمكانياتها هذه قادرة على تغيير تاريخ الأمراض البشرية عن طريق استخدامها لإصلاح نسج متخصصة أو عن طريق دفعها للنمو بشكل عضو حيوي
 معين.
وبحسب مجلة "سيل" الأميركية فإن" الخلايا الجذعية المستحدثة بواسطة هذه التقنية أثبتت قدرتها على الانقسام إلى أنواع مختلفة من الخلايا العصبية والكبدية والقلبية، تماما مثل الخلايا الجذعية الطبيعية".
 لكن لماذا تبدو التقنية شبه مستحيلة فيما يتعلق بالبشر؟ فبحسب العلماء، فان انقسام البويضة لدى البشر لا تستمر في الانقسام حيث تتوقف عند 6 الى 12 خلية، وهذا لا يكفي.
وبلغ هوس تجاوز هذه المشكلة ان عالما كوريا جنوبيا هو هوانغ ووسوك قال انه خلق خلايا جذعية من اجنة آدمية مستنسخة، ولكن تم اكتشاف أنه زيف الادلة.
غير ان علماء من جامعة أوريغون لعلوم الاجنة قالوا هذا الاسبوع انهم "نجحوا في جعل الخلية تنقسم الى مائة وخمسين خلية، تكفي للحصول على الخلايا الجذعية البشرية".
وأكد الطبيب شوخرات ميتاليبوف ان "التقنية الجديدة تتيح التحول الى أنواع مختلفة من الخلايا بما في ذلك خلايا الاعصاب والكبد والقلب".
كما اعلنت شركة "بي بي ال" وهي ذات الشركة التي استنسخت النعجة دولي أنها استنسخت ايضا أول خنزيرين صغيرين يمكن نقل أعضاء منهما للإنسان، حيث تأمل في أن تكون أعضاء مثل الكلى والقلب والأجهزة الحيوية الأخرى في الجسم ملائمة للاستنساخ البشري.
 
استنساخ البشر

ويتوقع العالم البريطاني جون جوردن صاحب عملية استنساخ النعجة دوللي، ان استنساخ البشر ربما سيكون ممكنا خلال الـخمسين سنة المقبلة، فبامكان الرجل الذي فقد زوجته و المرأة التي تسعى الى رجل هو بمثابة نسخة من زوجها والأب الذي فقد طفله، كل هؤلاء ستتيح لهم الهندسة الوراثية وعلوم الطب تحقيق الاحلام.
 وليس في مفهوم جوردن عن الاستنساخ سوى انه عمليا تكوين توأم، أي أن الطفل الأول هو "مخلوق"، أما الثاني فهو نتيجة استنساخ لطبيعة موجودة أصلا، باستخدام بويضات الأم وخلايا الجلد من الطفل الأول. وبذلك قد يستفيد الآباء الذين فقدوا أطفالهم من استنساخهم.
وبالفعل، نجح باحثون أميركيون في مايو 2013 من استحداث خلايا جذعية من البشرة عبر تقنية استنساخ جديدة، ما يعطي أملا جديدا في إيجاد علاجات وخصوصًا لمرضى الباركينسون والتصلب اللويحي وأمراض القلب والنخاع الشوكي، كما استحدث باحثون خلايا جذعية جنينية بشرية من خلايا البشرة بواسطة إحدى تقنيات الاستنساخ.
   

المزيد من المواضيع