الحرب تشيخ معنا

   


08/3/2015 12:00 صباحا

 دنيا ميخائيل 
حينما كنت طفلة، كنت أظن بأن كل شخص يخلق هكذا: طفلاً أو شيخاً، أباً أو أمّاً. كنتُ أحزن لأجل أمي لأنها كانت طوال اليوم مشغولة بنا وبالأعمال المنزلية. 
لم تكن تعمل خارج البيت مثل أبي ولم تكن تركض وتلعب مثلي أنا وأخوتي. كنتُ أحسدُ نفسي وأحمد الله لأنه خلقني طفلة.
وفي يوم من الأيام وأنا أكبرُ قليلاً وجدتني أنزفُ. أخبرتُ أمي فقالت كل البنات تنزف! فكرتُ: 
يا للكائنات المرعبة التي تنزف كل شهر! في الحقيقة، لم أحسد نفسي على ذلك. بعد ذلك بسنتين أو ثلاث.
 انطفأت الأضواء في بيتنا وارتفعَ صوت غارة في السماء لتعلن بداية الحرب مع إيران. في تلك الفترة نفسها كانت علاقتي مع الشعر بدأت تتوثق على نحو جوهري فصرتُ أميل الى العزلة في غرفتي، تلك العزلة التي لن تكون بعدها وحدك أبداً، العزلة التي تربطك مع العالم كله بشريط لاصق لا فكاك منه.
في منتصف نشوتي تلك واكتشافي لعالم الشعر، سمعتُ جارتنا تتحدث مع أمي بأن الرجال كلهم سيُساقون إلى القتال سواء شاؤوا أم أبوا. وحين غادرتْ الجارةُ، سألتُ أمي: هل سيأخذون النساء أيضاً؟ قالت: "لا". 
هذهِ المرة، حمدتُ الله لأنني امرأة! لم يكن للقلم والبندقية فوهة واحدة بالنسبة لي أبداً.
كنتُ أريد أن أُترك وشأني في غرفتي لأستمر في اكتشافاتي الشعرية ولأن أستمع إلى موسيقى أختارها بنفسي بعيداً عن طبول الحرب وضجيجها ونزفها.
 مَن يدري كم سينزف الرجال هناك، ربما سينزفون في أي وقت، في أي يوم من الشهر، بلا انتظام، ربما بلا إسعاف حتى.
 بعد سنوات أُخر، رأيتُ ابن الجيران، الذي كان يلعب مع إخواني في الشارع، يخرج من البيت ببذلة عسكرية وبسطال. بعد ذلك بأشهر، وضعوا على بيتهم لافتة سوداء عليها اسمه بالحروف البيضاء وصارت جارتُنا تُلقَّب بأم الشهيد بدلاً من أم زياد.
تخرجتُ في الثانوية والحرب ما زالت بيننا، في حياتنا ومنامنا. لم يكن السفر للخارج ممنوعاً بعد ولكن أبي كان رافضاً لفكرة الخروج من البلد.
 إنما شجعني على الدراسة في الخارج لأنه اعتقد بأني "عبقرية في الرياضيات". وبعد حصولي على قبول من جامعة أميركية، ذهبتُ مع أبي إلى دائرة البعثات من أجل الحصول على موافقة للسفر والدراسة على النفقة الخاصة. لم أنم في الليلة قبلها، إذ كنتُ معبأة بأحلام هي المُح في بيضة مسلوقة.
نظرَ الموظف إلينا قائلاً: "القانون لا يسمح بذلك. لا يجوز للنساء الدراسة في الخارج على النفقة الخاصة وقت الحرب". 
في طريق العودة، قال لي أبي محاولاً التخفيف من خيبة أملي: "لا تقلقي، لن تطول الحرب، ستنتهي، لا بد انها ستنتهي، وتتغير القوانين". 
تخرجتُ في جامعة بغداد ومات أبي ولم تنتهِ الحرب، كانت في سنتها السابعة فقط. الآن بدأتْ الحرب تشيخ، معنا.

   

المزيد من المواضيع