إيقاع الفكرة في قصيدة النثر

   


24/3/2015 12:00 صباحا

 د. نادية هناوي سعدون
عرفت الشاعرة دنيا ميخائيل المقيمة في الولايات المتحدة الأميركية بنظمها لقصيدة النثر كجنس شعري ذي شكل فني له خصوصيته الجمالية والموضوعية على المستويات اللغوية والأسلوبية والتركيبية مما جعلها إحدى شواعر قصيدة النثر المميزات في العراق.وهي تكتب الشعر باللغتين العربية والانكليزية، وقد حازت على جوائز شعرية في مهرجانات عربية وملتقيات أجنبية..ودنيا ميخائيل التي تنتمي الى الجيل الثمانيني الذي ضم ريم قيس كبة وسهام جبار ورسمية محيبس وأمل الجبوري وغيرهن، لها دواوين عدة، منها مزامير الغياب.
رؤية سوداوية



في قصيدتها "كل شـــيء يخبرني أنها نهاية العالم" تستقرئ الواقع العراقي بمنغصاته وسلبياته عبر رؤية سوداوية، لا تحيد عن تلمس الواقع المر، ولا تنزاح عن هول الكوارث المعاشة التي يمر بها العراق أولا، والعالم من بعده راسمة رؤية ذات إيقاعية فكرية متميزة.
 وهي إذ تستحضر تنبوءات نوستر أداموس ومخاوفه من الألفية الثالثة، فإنها تعضدها بما شاع من أخبار وإشاعات وتحذيرات علمية عن إمكانية وجود فايروسات قاتلة جديدة تهدد البشرية وتتوعدها بالزوال والانمحاء، فضلا عن مخاطر كثر الحديث عن هول نتائجها، ومنها تلوث طبقة الأوزون وما يمكن أن تجره على البشر من كوارث وويلات ومحن وحروب ضارية تأكل الأخضر قبل اليابس:


((كل شيء يخبرني 
بأنها نهاية العالم:
نوستر اداموس
والفايروسات القاتلة الجديدة
وطبقة الأوزون والحروب))
وهي تتحسس هول المصيبة الإنسانية التي ستودي بالعالم إلى الهلاك، كما انها لا تستبعد أن يسحق الشر وأهواله كل ما هو خير وجميل وبريء حتى الفراشة، هذا الكائن المسالم والوديع، فانها لا مفر أن تتحول إلى شر مستطير، لا يقل خطره عن خطر أي أمر شرير آخر.
اما الحب الصادق فسيستحيل إلى مجرد إحساس وجيب واقتضاب بارد للمشاعر، بلا أي تبادل للأهواء والرغبات.. وسيتحول العمل إلى مجرد عبث وقتي، ليس من ورائه أي طائل للمضي والتحضر للمستقبل، حتى أن النملة تكاد تتبرم من حمل جسدها غير آبهة بالخزن للمستقبل والاستعداد للجدب والخواء:


((وأثر الفراشة الخطير
ورسالتها ُ المقتضبة الباردة
في الرد على قصيدتها الطويلة
والطريقة التي تحمل ُ بها تلك النملة ُ جسدَها وكأنها لاتعبأ ُ بالخزن بعد اليوم))
الهزيمة أم التحدي ؟


وبذلك تخالف الحياة وظيفتها وما رسمه لها القدر، فهل ستنطلي الحيلة على الأحياء ليهادنوا الاستسلام ويغازلوا الهزيمة، أم ان الطبيعة ستفعل فعلها، وترد الأشياء إلى حالها الذي عليه خلقت ولأجله وجدت؟
وعلى الرغم من أن الشاعرة، وهي تبوح بإحساسها على مضض، إلا انها تكتم حدسا أثيريا وتستحضر همة نائمة لتوقظ لديها الأمل، وتبعد عنها الخيبة والضياع لتعلمها أن الحقيقة ليست كذلك أبدا، فالعالم ما زال بخير، والغيوم ما برحت تواصل مسيرتها الندية لترسم للحياة بهجتها ولتفيض على الحقول بخيرها..
اما صدفة البحر، فهي الأخرى ما زالت تكتم وجعها لتمنح الآخرين المسرة والارتياح، وما زالت ألعاب الطفولة بسذاجتها وبراءتها تفعل فعلها مكانيا وزمانيا:
ولكن مايجعلني أغيّر رأيي:
((العالمُ خارج النافذة
 الغيوم ُ التي تعرفُ طريقها دائماً 
صَدَفَة ُ البحر التي لم تَبَح بالسر كاملا ً ألعاب طفلتي التي تملأ المكان))
ولا غرو ان روح الشعر ما زالت طرية يافعة لتهمس إلى غدها بالأحلام الوردية التي ترجو تحققها، وجملة حميمية سمعتها تلك الروح جعلتها تبدل لوعة الانتظار للغد بمتعة التفرس للأمس واليوم ..
فلا انتظار يدوم ولا حضور يزول، بل الآتي والآني هما الحقيقة الوحيدة التي بها تباشر الذات حياتها مخلفة وراءها وجعا قديما وماضيا عتيدا لا بد أن ينزاح بظلاماته ليبزغ فجر الحاضر الغر بتطلعاته وآماله:
((الأمنيات ُ التي همستُ بها قرب النافورة
  والتي يجب أن تتحقق
وجملة لوري الأخيرة: كل شيء يحدثُ الآن.))
الذات الشاعرة تخاطب روحها هامسة لها أن عالما مبهما ليس فيه إلا متاهات الضياع، والتيه لن يدوم وأن اشعاع الأمل سيزيل الظلمة ويكشف الحقيقة .
وهي إذ تستحضر ذكرى جميلة أو جملة سمعتها أو قولا قرأته فانها تردم بذلك بعضا من ضياعات روحها لتوجد عالما جديدا ليس فيه ضياع وفضاءً رحبا من الحرية والتجدد ليس فيه تيه أو مخاتلة. 
وبذلك تغدو القصيدة خارطة مكانية فيها فضاءان متعارضان أحدهما سوداوي ومغلق، والآخر وردي متفائل ومنفتح فيه فيض من الارتياح والتجلي، لكي تنعم فيه الروح بالسكينة والوداعة فلا ألم يفجعها ولا خوف يهددها.
   

المزيد من المواضيع